صالح لم ينته وكذلك الجنرال العجوز!!
قبل 2 سنة, 10 شهر

الأعوام الثلاثة، التي  شارفت على الانقضاء،  بدون وجود (علي عبدالله صالح )على راس الحكم،  لم تقل ان الرئيس السابق قد توارى عن المشهد السياسي،  بل انه خلال هذا العام، الذي سيطوي صفحته بعد ايام قلائل،  كان حضوره في المشهد السياسي مؤثراً،  ليس فقط من خلال اعادة توظيف محاولة اغتياله، عن طريق النفق ، الذي حفر قرب منزله في شهر اغسطس الماضي، لتلميع صورة الرجل، التي بدأت  بالتواري بفعل القرار الاممي 2140 ،الذي اكد صراحة على طي صفحته نهائياً ، وانما من خلال حضوره اللافت كمهندس وممول  وساند قوي  للتوسع الحوثي، الذي عمل خلال ستة اشهر فقط على اخماد انفاس خصومه (القبليين والعسكريين)  من خمر الى صنعاء، وصولاً الى الحديدة واب واغلب مدن الشمال، باقل الخسائر !!

لعبت الجارة خلال الاعوام الاربعة الماضية، على امداد الحياة لرجلها القوي ـ ليس فقط بالاعتناء الطبي غير المسبوق  به الذي جنبه الموت الاكيد بعد حادثة جامع النهدين في يونيو  2011ـ وانما من خلال انتاج المبادرة الخليجية وقانون  الحصانة،  اللذين دعما استمراره في الحياة السياسية، على رأس حزب امتلك نصف حكومة التوافق التي تشكلت وفق المبادرة ، وامتلاكه لأكثر من سبعين في المائة من منظومة الحكم والادارة  في المركز والمحافظات، واحتفاظه بولاءات اكثر القادة العسكريين الذين سيمكنون الحوثيين من اجتياح العاصمة في 21 سبتمبر 2014 وقبلها محافظة عمران .الى جانب انها ظلت ـ أي الجارة ـ تستخدمه كمخلب في وجه حلفائها السابقين (مشايخ وعسكر واخوان مسلمين) ، اثناء محاولة تمردهم على بيت الطاعة في ذروة تنسيقهم مع مثلث (انقرة /الدوحة/ القاهرة) ابان حكم الاخوان المسلمين لمصر.

الامكانيات المالية المهولة للرجل، التي راكمها ـ بالمتاجرة بكل شيء ـ على مدى سنوات حكمه التي امتدت لثلث قرن وعززها بالتشبيكات الواضحة مع رؤوس الاموال العابرة التي وجدت في صنعاء محطة أمنة (للفلترة) خلال العشرية الاخيرة لحكمه ،لم تزل تسند حضوره داخل المشهد، الذي لا يستطيع ـ ولأسباب مرضية ـ ان يتوارى عنه ،مع يقينه انه لن يعود للحكم، وان حلم التوريث قد تبدد ،ليس بسبب تبدل قواعد اللعبة نتيجة الخضات المتعاقبة في البلاد ،وانما لكون قوة جديدة صاعدة من ثنايا المشهد تعمل بكل الوسائل على فرضية الحق التاريخي في الحكم ،بما فيها استخدام الرجل وامكانياته!!

وبالمقابل سيعمل الجنرال الهارب (علي محسن صالح ) من (مستقره) الجديد في السعودية ،التي التجأ اليها بعد دخول الحوثيين لصنعاء في سبتمبر الماضي، على توظيف كل المتناقضات من اجل تجنيب مصالحه ـ التي هي مصالح الجارة ـ من التبدد والتلاشي الكلي، امام المد الحوثي قبل اعادة تقويتها، من خلال ارباك الخصوم ،وانهاكهم في صراعات مفتوحة وطويلة الامد.

الجنرال العجوز، الذي تبدى خلال الاشهر الثلاثة الماضية في اسوأ لحظات ضعفه ـ بعد ثلاثة اعوام من التفرد بالقرار والادارة المبطنة للدولة، لم تتركه (الجارة) لمصيره هو الاخر، كما فعلت مع قرينه علي صالح، لأنها لم تزل تحتاجه، لعلمها ان اكثر الملفات الامنية الخطيرة في (مكبها الخلفي) ،لم يزل يمسك بأكثرها تعقيدا، منذ ان فرضته في منتصف سبعينيات القرن الماضي ـ هو ومجموعة من الضباط ـ كمنسقين لخلايا التيار المتشدد داخل الجيش، وظلوا لأكثر من ثلاثة عقود الايادي الطولى لمشروعها (الابتلاعي) ،قبل ان يتخلص صالح من اقواهم دفعة واحدة، في حادث المروحية الشهير في حضرموت عام 2005، في طريقه لتوريث الحكم.

الى جانب انها ستلعب بكرته في وجه الحوثيين ـ الذي يمثل لهم المطلوب رقم واحد ـ  والذي لم يزل قادراً على مجابهتهم بذات الادوات، التي تفنن في استخدمها  ضد خصوم منظومة الحكم السابقين ، وان بأكثر الاساليب تطوراً وتقنية، وبرعاية وتمويل الجارة.

فالمقاومة الشرسة للتوغل الحوثي في مناطق رداع،  ومنع تمددهم الى مأرب، وكذا عمليات العنف (التفجيرات) ،التي شهدتها المدينة الوادعة الحديدة و مدينة اب خلال الاسبوعين الماضيين، واستهداف نقاط ومنازل الشخصيات القريبة من الحوثيين، في صنعاء خلال الاسبوع الماضي، واحدة من بصمات الجنرال الذي سيًستخدم من مستقره الجديد لإرباك خصومه، واضعافهم كما فعل قرينه صالح، لان المسألة لا تتعدي موضوع (الشغل) مع من يدفع، تماماً كما يفعل خصومه المرتبطين بدوائر الخارج، وعلى رأسها طهران!!

مراكز النفوذ التي ـ يتقوى بشكل لافت احدثها ونعني المركز الحوثي ـ لا تعبر الا عن مصالحها الضيقة وان اللافتات التي ترفع هنا اوهناك لدغدغة المشاعر، تسقط امام التغول المخيف، من اجل التفرد بالقرار والسلطة التي اعمت الجميع . فقد اثبتت السنوات الماضية ،انه ليس هناك مشروع وطني جامع ،يمكن يتنافس الجميع على تصليب اركانه ـ دون تقويض اساسه ـ بل هناك مشاريع تفتيت وتجزئة واضحة للهوية والجغرافية، تلعب النخب السياسية على تغذيتها اما بضعفها وسلبيتها، التي غدت سمة واضحة في حضورها في الشأن العام ، او بواسطة وضع نفسها كقوى مستأجرة،  لصالح اللاعبين الاقليميين،  الذين ارادوا ان تكون هذه الارض ساحة جديدة لتصفية حساباتهم المؤجلة في بيروت وبغداد ودمشق.