الفدراليون.. يتفقون على ذبح اليمن ويختلفون في الأسلوب ؟!!.
قبل 4 سنة, 5 شهر

تتنازع القوى السياسية الحاكمة للبلاد بجميع توجهاتها حول موضوع عدد الأقاليم التي يجب أن تكون عليه اليمن في دولتها الاتحادية الحديثة التي يهللون لها غير آبهين بما سيؤول إليه حال البلاد وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، ومع اتفاقهم حول فدرلة اليمن إلا  أنهم يختلفون حول عدد الأقاليم ليس خوفاً وحرصاً على اليمن ، كيف وهم يذبحونها ؟!! لكن بعضهم يحاول إضفاء شرعية على ذلك الذبح فيزعم انه ذبحٌ على الطريقة الإسلامية ؟!!، محاولاً شرعنة الفدرالية زاعما ًأنها من صميم الإسلام ومشبهاً لها بواقع الولايات في ظل الدولة الإسلامية ؟! ، مع البون الشاسع بين الواقعين فالفدرالية ليست تنظيم إداري كواقع الولايات في الدولة الإسلامية وحسب  بل هي تنظيم سياسي وتشريعي وإداري يجعل كل إقليم منفصلاً واقعاً عن غيره وإن ظهر شكلياً غير ذلك ، ومع علمنا  أن الصراع على الأقاليم  هو ضمن الصراع الدولي الذي يحقق أطماع الدول المستعمرة فالقضية  عند هؤلاء ليست البحث عن حلول لواقع البلاد بل القضية هي تنفيذ مطالب تلك الدول المتصارعة ، ويكفيك قول بعضهم إن الفدرالية فرضت علينا ؟!!. فمن الذي فرضها؟!!.

لقد خرج أهل اليمن في ثورةٍ سرعان ما عمل الغرب على احتوائها عن طريق أدواته من منظمات وأحزاب وسياسيين، وقد كان أهل اليمن يصبون إلى إزالة الظلم والاستبداد الذي لحق بهم في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها، وذلك من جراء تطبيق النظام الرأسمالي عليهم حيث يتسلط أصحاب رؤؤس الأموال على الناس وعلى ممتلكاتهم وحقوقهم لجمع أولئك بين السلطة والمال معتبرين المسؤولية غنيمةًً وفيئًا.

إن أهل اليمن لم يخرجوا في ثورتهم ليطالبوا بالفيدرالية والأقاليم ولم يكن ذلك في بالهم، ولكن الغرب وجد الفرصة السانحة لتحقيق أهدافه، وخاصة أمريكا التي تريد فصل اليمن وتفكيكه ؛ فقد كانت أمريكا وراء خيار الإقليمين تمهيدا للانفصال.فأمريكا عن طريق إيران تدعم الحراك الجنوبي وجماعة الحوثي لتحقيق ذلك ويكفي أن نعرف أن علي سالم البيض رئيس الحراك كان يقيم في الضاحية الجنوبية بجانب حسن نصر الله في لبنان وقد صرح علي سالم البيض بشكر إيران على مساعدة أهل الجنوب في استعادة دولتهم , أما بريطانيا فقد سارعت للحفاظ على مصالحها معتبرةً ما يجري في البلاد أزمةً وصراعا شخصيا بين العائلات الثلاث الحاكمة للبلاد كما صرح السفير البريطاني آنذاك، فعملت على إيجاد التسوية فلم تتهدد مصالحها ومصالح تلك العائلات وعملت على قطع الطريق على أمريكا، وكانت من وراء طرح فكرة الأقاليم المتعددة حتى لا تضيع مصالحها فخيار الإقليمين يؤدي للانفصال ويهدد استقرار مصالحها , وان ضغطت أمريكا في اتجاه خيار الإقليمين فان بريطانيا قد بدأت تعد رجالها لتركب الموجة وتحافظ على نفوذها ، وقد صرحت السفيرة البريطانية في اليمن مراراً أن خيار الإقليمين سيؤدي إلى حروب ؟!!.

ونظرا لأهمية موقع اليمن الاستراتيجي والذي يتحكم بباب المندب الذي يمر فيه 67% من التجارة العالمية فقد اتفق الغرب على الشراكة وتقاسم المصالح مؤقتا بما يسمى اتفاق السلم والشراكة ومخرجات الحوار الوطني خوفا من أن يؤدي صراعهم على المصالح في اليمن إلى حرب أهلية تخرج البلاد إلى الفوضى فتصعب السيطرة عليه  , فالغرب لم يدعم  الحوار حباً بأهل اليمن وخوفا ً عليهم من الاقتتال ,وإنما يهمه مصالحه فان كانت الحرب لصالحه فلا يتردد في إشعالها ,وستعمل أمريكا لفصل اليمن متخذة شتى الوسائل والأساليب ,وان كان ذلك على المدى البعيد عبر ما يسمى حق تقرير المصير ، والعجيب أن جميع الأطراف والقوى السياسية حتى ذات الأسماء الإسلامية تصرح أنها مع تقرير أهل الجنوب لمصيرهم تناغما مع ما يريده الغرب لليمن  .

من المعلوم أن الشعب لم يخرج حين خرج في ثورته مطالبا بالفدرالية، ولم يكن  ذلك في باله ، وإنما كان خيار الفدرالية حلا مستوردا من سفارات الغرب على اختلاف مصالحه، وتجلى فيها الصراع على الثروات من نفط وغاز ومعادن وغيره من ثروات البلاد.

خرج الشعب شاكيا مرضه الذي ابتلي به ،فإذا بالغرب يتدخل ويشخص له المرض ويعطيه علاجا لمرض غير المرض، وشاركه في ذلك السياسيون الموقِّعون على ذلك التشخيص والذين خانوا الشعب ولم ينصحوا له بل شاركوا الغرب في إقناع الشعب بأن "مرضك هذا علاجه"، فكان العلاج هو الفدرالية.

إن الفدرالية هي شكل من إشكال الحكم بحيث تقسم الدولة إلى أقاليم أو كيانات دستورية ذات حكم ذاتي فيكون هناك عدة أقاليم كل إقليم له مجلس تشريعي وسلطة قضائية وسلطة تنفيذية تعين من الإقليم نفسه ويكون كل إقليم له ماليته الخاصة ويبقى الإقليم مشترك مع المركز في الجيش والخارجية وبعض الأمور التي يحددها  دستور الدولة الاتحادية. وقد جاء في وثيقة الحوار ما يشير إلى ذلك في التقرير النهائي لفريق القضية الجنوبية وكذلك تقرير فريق بناء الدولة وان كان المعنى أوضح في تقرير فريق القضية الجنوبية بهذا الخصوص  .

إن المشكلة التي يعاني منها أهل اليمن يكون حلها بعد معرفة واقع المشكلة ودراسة أسبابها وعلاجها من قبل أمناء من أبناء الأمة، لا من قبل الغرب المستعمر وعملائه المنتفعين والسياسيين المنبطحين.

فالفدرالية باطلة ومتهافتة شرعا وواقعا:

أما شرعاً: فليس نظام الحكم في الإسلام نظاماً اتحادياً، تنفصل أقاليمه بالاستقلال الذاتي، وتتحد في الحكم العام، بل هو نظام وحدة تتساوى فيه كل الولايات ومديرياتها من حيث النظر والاعتبار ولا يوجد تمايز بينها ، و تعتبر مالية الأقاليم كلها مالية واحدة، وميزانية واحدة تنفق على مصالح الرعية كلها، بغض النظر عن الولايات. فلو أن ولاية جمعت من الثروة ضعف حاجاتها فإنه ينفق عليها بقدر حاجاتها لا بقدر وارداتها . ولو أن ولاية لم تسد وارداتها حاجاتها فإنه لا ينظر إلى ذلك، بل ينفق عليها من الميزانية العامة بقدر حاجتها، سواء وفت وارداتها بحاجاتها أم لم تفِ.

فنظام الحكم في الإسلام وحدة تامة وليس اتحاداً. وهو نظام متميزٌ عن غيره من النظم المعروفة الآن في أصوله وأسسه، وإن تشابهت بعض مظاهره مع بعض مظاهرها. وهو فوق كل ما تقدم مركزي في الحكم، يحصر السلطة العليا في المركز العام، ويجعل له الهيمنة والسلطة على كل جزء من أجزاء الدولة صغر أو كبر، ولا يسمح بالاستقلال لأي جزء منه، حتى لا تتفكك أجزاء الدولة. وهو الذي يعين القادة والولاة والحكام والمسئولين عن المالية والاقتصاد، وهو الذي يولي القضاة في كل إقليم من أقاليمه، وهو الذي يعين كل مَن عمله يكون حكماً، وهو المباشر لكل شيء من الحكم في جميع البلاد. فهو مركزي في الحكم ولا مركزي في الإدارة. فلا مكان في الإسلام للتفريط في البلاد وثرواتها كما لا مكان للاستبداد من قبل الحكام والمتنفذين , وقد وضع الإسلام ضوابط وأحكام للحد منه والحيلولة دونه لسنا في صدد ذكرها في مقالتنا هذه .

إنه مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية دولة الخلافة ورغم الوسائل البدائية آنذاك إلا أن الثروات كانت تصل لكل فرد من أفراد الرعية ولو كان في طرف البلاد بل إن الخليفة كان يعتبر نفسه مسئولا حتى عن الحيوان.

فهذا عمر بن الخطاب يقول (لو عثرت شاة أو بغلة في العراق لخشيت أن يسأل عنها عمر لماذا لم تصلح لها الطريق)، أما في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز فكان يقول (انثروا الحَبَّ على سفوح الجبال، حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين) , هذا هو الإسلام ودولته وهذا هو عدله ونظامه فبم يفاخر المفاخرون؟!

وأما واقعا: فالفدرالية ليست علاجا لمشكلة أهل اليمن؛ فمشكلة توزيع الثروة لا يتم حلها بالفدرالية لأن الفيدرالية ليست نظاما يمكِّن كل فرد من الانتفاع بثروته داخل الأقاليم، بل إن الذي يضمن توزيع الثروة لكل فرد من أفراد الرعية هو النظام الاقتصادي في الإسلام وأحكامه في دولته، فلم يكن المركز في دولة الخلافة يستأثر بالثروة بل كان يأخذها من الولايات ثم يوزعها حسب أحكام الإسلام لتصل كل فرد ولو كان في طرف الدولة، وها هو هارون الرشيد يخاطب السحابة (أمطري حيث شئت فإن خراجك سيأتي إليّ) , وان حصل في ظل الدولة الإسلامية إساءة تطبيق واستبداد من بعض الحاكم فذلك يتحمل وزره الحكام ومن وافقهم وليس حجة على الإسلام 

لقد عانت الأنظمة الفدرالية وخاصة أمريكا أزماتٍ اقتصادية خانقة وهي نظام اتحادي، وبعد فوز أوباما قدمت 20 ولاية من ولايات أمريكا الغنية عريضة بأنها تريد الانفصال لأنها لا تريد تحمل أعباء الولايات الفقيرة.

ورغم أن أمريكا قائمة على ثروات العالم باستعمار الشعوب وامتصاص خيراتها فها هي ديونها ترتفع إلى ما يقارب 17 تريليون دولار ويعيش فيها أكثر من 40 مليون نسمة من سكانها تحت خط الفقر. وهكذا لو نظرنا إلى بقية الدول الاتحادية القائمة في العالم لوجدنا أن أهلها يكتوون بنار النظام الرأسمالي المطبق عليهم.

إن الفيدرالية لا يحصل منها توزيع عادل للثروة، وإن كان الذي يحصل منها إنما هو توزيع وتقاسم للسلطة بين المتصارعين، أما الثروة فلن تذهب إلا لشركات الغرب ومن يرضى عنهم من المتنفذين في ظل النظام الرأسمالي الذي يحكم العالم.

إن الفدرالية في واقعها ظلم عظيم؛ حيث يستأثر الإقليم بثرواته دون غيره من الأقاليم، مع أن هذه الثروات في الإسلام هي ملكية عامة لجميع الرعايا في الدولة الإسلامية، فرسول الله  يقول: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»، فالنفط والغاز والمعادن والبحار والشواطئ والمنتزهات العامة والموانئ... وكل ما ينطبق عليه أنه من الملكية العامة إنما هو ملك لجميع رعايا الدولة الإسلامية وليس ملكا للدولة أو لأي فرد دون غيره، وإن كانت الدولة هي من تشرف عليها.

علاوةً على ما تصنعه الفدرالية حيث تؤدي إلى النعرات الطائفية والمناطقية في الإقليم الواحد أو بينها وبين الأقاليم المجاورة ، وهي تظلم الناس وتوجد الضغينة بينهم بسبب تمييزها بين إقليم وآخر ومفاضلة بعضها على بعض، هذا بالإضافة إلى الأموال الباهظة التي تكلف الدولة للانتقال إلى نظام الفدرالية للإنفاق على السلطات المقامة في كل إقليم , علاوة على الظلم الناتج عنها نتيجة لتفاوت الأقاليم في المساحة وعدد السكان والثروات ,مما يجعل  أهل محافظتي تعز و اب الأكثر سكانا أكثر فقراً مما  هم عليه ألان, بينما أهل حضرموت ومأرب  أفضل حالاً من أولئك لقلة السكان ووجود النفط والغاز  ,  هذا إن وزعت الثروة عليهم مع علمنا أن الثروات لن تذهب لأيديهم, بل لأيدي الشركات والمتنفذين الرأسماليين

يا أهل اليمن : إن الفدرالية هي تفتيت للبلاد، وهي مقدمة لانفصال الأقاليم خاصة في ظل الصراع الدولي وشراهة الاستعمار على الثروات، وما مخططات الغرب الخبيثة وخاصة أمريكا عنكم ببعيد , ونحن في حزب التحرير نحذركم من سوء عاقبة هذه المشاريع الضيقة فلا تكونوا كأجدادكم الذين قال الله تعالى فيهم (  فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )  فهل لا زال البعض يقول إن اليمن ليست كالسودان وليست كالعراق ,وهل يلام الذئب في عدوانه ......إن يك الراعي عدو الغنم .

*رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية اليمن