صالح ونظامه حين ترممهما المليشيا!!
قبل 2 سنة, 10 شهر

اية عملية استبعاد لعلي عبد الله صالح، من حكم البلاد ـ حتى بغير ما ثورة فبراير المغدورة ـ كانت ولابد، ان تزيح الغطاء، عن اكبر حفرة كارثية في البلاد، لتصعد الى سطحها ،مع اول خضة ،كل الروائح النتنة!!   فمثل أي نظام ديكتاتوري لا وطني، عمل نظام صالح، على ترحيل مشاكل البلاد المستعصية، الى اللحظة التي تحولت فيها المسألة الوطنية الى بالون خرافي محتفن، يتحكم  في وضعه الكلي رأس دبوس صغير، كان مهملاً على الرف  لتتناثر ـ مع اصغر ضغطة ـ  اشلاؤه المميتة، على اكبر رقعة جغرافية.

فهذا النظام، لم يعمل على انتاج مسارات تنمية حقيقية، بل عمل على  خلق حالة ديكوريه فارغة ،للمنشأءات والمباني الجوفاء في مراكز المدن الرئيسة، وراح  يطلق عليها مدارس وجامعات ومراكز ابحاث وهيئات علمية وزارات، تكتظ بالموظفين والاثاث، ولا تنتج  معرفة ولا تنمية ،لان الوعاء الرئيس لكل ذلك متخلف وفاسد، ونعني التعليم الذي اصر راسموا السياسات ومركز الحكم ،ان يظل مشدوداً الى لحظة ما قبل العقل والمعرفة والتفكير الحر. لان ذلك يتساوق بل ويعبر عن الحالة الذهنية التقليدية، وغير الرشيدة لمنظومة الحكم التي تدار بتآلف العسكر والمشايخ ورجال الدين السياسي، وقبل ذلك يعبِر عن مصالحها ورساميلها، التي تستثمر في انتاج التخلف ومتوالياته اللانهائية، في بلاد يعيش اكثر من ثلثي سكانه في درك الفقر الاعمق .

 تنمية طبقة اعمال طفيلية، من المشايخ والضباط وكبار الموظفين بأموال الخزينة العامة، على حساب الرأسمال الوطني، الذي تراكمت ادواته وخبراته في مدينة عدن، وبعض مدن المهجر من ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك من اجل الها النافذين العسكريين والقبليين، عن مزاحمة الرجل الاول في الحكم ،ونزوع توريث الدولة للأقرباء. فعشرات الشركات النفطية وخدماتها، امتلكها مشايخ وقادة عسكريين وابناء واقرباء الحاكم. اما مشاريع البنية التحتية ـ التي شهدت اكبر عمليات الغش والفساد ـ  فقد اعطيت لشركات مقاولات، يمتلكها مشايخ ومسؤولين حكوميين، منحوا تسهيلات غير معقولة، قفزت بهم من حيز  المعدمين  الى نادي الاثرياء، الذين لم  يتعبوا قبلاً في تنمية ثرواتهم. حتى ان وضعاَ متحققاً مثل هذا، عبرً في انصع تجلياته، عن تجريف  مناطقي عجيب للتعبير عن سطوة المركز وقدسيته ،اذ تحولت الكثير من البيوتات التجارية العتيقة، المملوكة لشخصيات من اليمن الاسفل، الى مظلات لمقاولي الباطن ووسطاء، لصالح رجال اعمال نبتوا بين ليلة وضحاها و بدون مقدمات في اليمن الاعلى. وان العاصمة تحولت بقليل من السنوات، وبفعل التجريف الكلي للهوية الوطنية اليمنية  ـ شمالاً وجنوباًـ الى مركز مقدس، الانتماء اليه لا يتعدى ضرورات الهوية المغلقة طائفياً ،وما دون حامليها ليسوا اكثر من ضيوف ثقبلي الظل !!ولهذه الغاية عمد النظام الى تكريسها كجغرافية المدينة الواحدة ،التي تنموا على حساب غيرها من المدن، بما فيها تلك التي كانت مراكز اقتصادية ومدنية مرموقة كعدن وتعز والحديدة والمكلا ـ حتى ان التمثيل لمثل هذه حالة، سيكون مثل تلك الام القروية، التي ترسل ابنها الى المدينة للتعلم او العمل، ثم تقوم ببيع حيواناتها وطيورها ومنتجاتهما، لمساعدته على مشاق الحياة الصعبة فيها.

 في محطتين  فارقتين، تعرض الجيش اليمني الى تدمير لهويته الوطنية وعقيدته القتالية، بشكل ممنهج ، الاولى كانت في اغسطس 1968 ،من خلال التصفيات والازاحات  الطائفية البائنة، التي قادتها قيادات الخط الانقلابي لثورة سبتمبر، وراح ضحية هذه العملية خيرات الكوادر العسكرية المنتمية لمناطق اليمن الاسفل. الثانية كانت في يوليو 1994 ،بتفكيك جيش جمهورية اليمن الديموقراطي لصالح هوية وعقيدة جيش الجمهورية العربية اليمنية، وتحالفاته الثأرية (المجاميع الجهادية ومتضرري احداث يناير 86) وفي كلتا المحطتين، كانت تصبغ المؤسسة العسكرية، بلون مناطقي واحد، تنتمى في الغالب الى المناطق المعتاشة  على اقتصاد الحرب والعسكرة في الشمال.

على هذه التكوينات الثلاث، عمل النظام على ادامة بقائه لسنوات طويلة، باللعب على تعارضاتها، مدمرا كل اساسات التطور الطبيعي للحياة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية ) ،في بلاد تمتاز بالتنوع لهوياتها.

وما يحدث الان من اعادة تطويع الدولة ـ بمفهومها الإعاشي ـ  وتقويضها في آن لصالح الميليشيا التي باتت تحتكر العنف، ليس اكثر من خطوة خشنة، لإعادة ترميم النظام المصبوغ بهوية جزئية، بعد تخليصه من حمولات التحالف التاريخي، مع تيار الاسلام الوهابي ومسنوداته  المشيخية، التي ارادات ان تكون ذات يوم البديل للموقع المقدس للسيد !!.

حتى ان مشغلات الحق التاريخي، في حروب الاسترداد  ـ كما يسميها الصديق علوي السقاف ـ التي تخوضها المليشيات الحوثية، لم تتجاوز حدود الجمهورية العربية اليمنية (المملكة المتوكلية سابقاً) ،وكل ذلك يتم بالتحالف الواضح بين صالح ـ الذي يريد تصفية حسابه مع خصومه جميعاً بما فيه الشعب ـ ،وبين الجماعة التي تريد الاستثمار الكامل للحالة، من اجل تقديم نفسها كبديل للجميع، بذات ادوات النظام وفلسفته في التحالفات. 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص