الخميس 2010/09/09 ( آخر تحديث ) الخميس 2010/09/09 الساعة 17:24 ( صنعاء ) 14:24 ( جرينتش )
المزيد

أردوغان المخلّص

2010/06/09 الساعة 16:26:13
حميد رزق حميد رزق

 نحن العرب هكذا دائما محظوظون ننام على زعيم  يتعاطف معنا هنا ونصحو على فارس ومخلص ( من الخلاص والتخليص وليس الإخلاص  ) يخوض معاركنا ويقهر اعداءنا ويشفي صدورنا هناك ، كنا قد اقتنعنا بالمذلة والتبعية والهوان ، لكن الله تعالى لم يتركنا نلوك خيباتنا الى ما لا نهاية فهو الرحيم الكريم الواهب المنان ، وفجأة صحونا على رجب طيب اردوغان يخلصنا من تيه بني اسرائيل ، فلك الحمد ولك المنة يا ألله يا من تسخر لنا مثل هؤلاء الطيبين ليقولوا للعالم اننا مظلومون  وأنهم على استعداد للتضحية من اجلنا ، واذا كان العرب منقسمون الى محورين سياسيين الاول محور الاعتدال والثاني محور التشدد فإن اردوغان حاز اجماع المعسكرين واتفق الجميع على كونه المنقذ الذي يؤدي مهمة مزدوجة لوصفة الخلاص في نفس الوقت وبنفس المواقف ...

فيما يخص معسكر التشدد جاء اردوغان ليجرح كرامة العدو التاريخي اسرائيل ويهدد وجودها ، وفيما يخص معسكر المعتدلين جاء يفكهم من اسر الحصار الايراني ويسحب البساط من تحت عمائم الايات فأصبحت بعض العواصم العربية هذه تنام قريرة العين وقد أوجد الله غريما لطهران في المنطقة ... مع عتذاري عن السخرية السابقة هذا هو منطقنا نحن العرب اليوم في التفاعل مع ما يجري ، على كل حال ماتقوم به تركيا في هذا الصدد رائع ومهم لكنه لا يعفي العرب رسميا وشعبيا من الاضطلاع بمسؤولياتهم وإن كان البعض يحب التخفي وراء الدور التركي للتملص من الدور المفترض للنخب وقادة  الرأي والفكر في الدول العربية ، وبدلا من ممارسة الضغوط على الانظمة العربية للتصالح مع شعوبها  ومقاطعة اسرائيل وطرد سفرائها تفضل بعض الفعاليات المؤثرة في الوطن العربي  الإكتفاء بممارسة الاطراء والاشادة بالدور التركي برغم أن أردوغان لم يقم بأكثر مما يراه الحد الادني من  الواجب الانساني والديني تجاه قطاع غزة ولا يعني هذا أنه سيضطلع بمهمام المخلص لشعوبنا ومنطقتنا ...

خلال متابعتي لما تعرض له اسطول الحرية والتعليقات على بروز الدور الايجابي  التركي في المنطقة العربية قرات ثلاثة مقالات لكتاب عرب الاول نشرته صحيفة الخليج الامارتية للكاتب عصام نعمان بعنوان "الاتراك يقاتلون معنا لا عنا " يحتج فيه على المبالغة الشعبوية العربية في الاحتفال بأردوغان ويقول صاحب المقال أن ثمة جوع مزمن لدينا الى البطولة والكرامة، إن لم يسدّه واحد منا تطلّعنا الى آخر من سوانا لينهض الى المهمة نيابةً عنّا ، لقد حاول جمال عبد الناصر صادقاً التصدي للغرب المستعمر وربيبته “إسرائيل”، فتفجرت حناجرنا هتافاً له وقلوبنا إعجاباً به وعيوننا متابعةً حميمة لخطواته . كنا نتفرّج عليه ولا نساعده كي نساعد أنفسنا . كان موضوعاً للفرجة وليس قدوة للعمل والتضحية .

اليوم يطل علينا أردوغان بقامة عالية من شرفة مجاورة ويقول في “إسرائيل” ما لا يجرؤ كثير منا، في العصر الأمريكي، أن يقوله فيها، فتتفجر حناجرنا هتافاً وقلوبنا إعجاباً وننتظر منه، بسذاجة أسطورية، أن يقاتل “إسرائيل” عنّا وأن يلقنها درساً لطالما اخترناه لها في أحلام اليقظة .

ويذكر عصام نعمان الجماهير والنخب العربية ان تركيا وقادتها ليسوا سذجا ولن يقاتلوا عنا هم يتذكرون أننا قاتلنا، في الحرب العالمية الأولى، مع الغرب الأوروبي وعنه ضدهم إلى أن تمكّن منهم ومنّا . قاتلنا، بسذاجة، مع بريطانيا وفرنسا ضد تركيا العثمانية نتيجةَ وعدٍ لنا باستقلال لبلاد الشام وبمملكة عربية معقودة اللواء لأحد أبناء الشريف حسين، حاكم الحجاز، وما أدركت نخبتنا القيادية آنذاك، باستثناء شكيب ارسلان ورفاقه من دعاة اللامركزية لا الانفصال عن السلطنة العثمانية، خطورة الانخراط مع دول استعمارية غربية عاتية للاستعاضة بها عن سلطة شرقية هرمة . وماذا كانت النتيجة؟ أعطت بريطانيا بشخص بلفور وعداً لليهود بوطن قومي في فلسطين، وتواطأت بريطانيا، من وراء ظهر الشريف حسين، مع فرنسا من خلال اتفاق سايكس - بيكو على تقاسم بلاد الشام وبلاد الرافدين بينهما لتقوم على مدى المشرق العربي كله كيانات هشة تدور في فلك لندن وباريس .

ويضيف نعمان قائلا : من المفيد أيضا التأكيد أن الكيان الصهيوني ما كان ليقوم أصلاً لولا تقاسم الميراث العثماني بين بريطانيا وفرنسا . وما كانت السلطنة العثمانية (التي كان عرب المشرق في ظلها موحدين لا حدود ولا سدود بينهم) لتموت وترثها أوروبا الاستعمارية لولا سوء تقدير وسوء تصرف النخبة القيادية العربية في الربع الأول من القرن الماضي . فقد كان حرياً بها أن تناضل، تحت شعار اللامركزية، لنيل الاستقلال من الأتراك جسماً عربياً واحداً، بدلاً من أن تنخرط في تحالف غير متكافئ مع أعتى قوتين استعماريتين من أجل إزاحة سلطنة عثمانية هرمة وقابلة لتقديم تنازلات سياسية لشركائها العرب .

المقال الثاني لرئيس تحرير صحيفة الشرق الاوسط السعودية عبد الرحمن الراشد يرصد فيها ما قال أنه مشهدا للمواطن العربي وهو يقوم بإزالة صور حسن نصر الله وأحمدي نجاد من الاماكن العامة ويستبدلها بصور رجب طيب اردوغان ...

يقول الراشد في مقال تحت عنوان "بن لادن ونصر الله والأن " أن هدف الطيب أردوغان رئيس الوزراء التركي كان كسر الحصار الإسرائيلي على غزة، لكنه ربما من حيث يدري أو لا يدري كسر الحصار الإيراني على العرب.

ووفق صيغة «مات الملك عاش الملك»، نزعت صور السيد حسن نصرالله ونجاد وعلقت على الجدران مكانها صور أردوغان. ولأن لكل حفل نجما، فقد أصبح الزعيم التركي نجم العرب لهذا الموسم السياسي.  وحل الأتراك محل الإيرانيين، عندما أثاروا الكثير من الجلبة بقافلتهم وخطبهم فنفسوا عن المشاعر العربية المكبوتة جدا، خصوصا وأن المنطقة عاشت حالة هدوء مملة عندما طال صمت مدافع حزب الله  وتراجعت حماس..

من نفس الزاوية التي ينطلق منها الكاتب احمد الراشد تتعامل بعض النخب العربية الدينية والسياسية مع المواقف التركية وكأنها موجهة لطهران تصيبها بالحرج الشديد وتسحب من طاولتها ما يسمونه المزايدة بالقضية الفلسطينية يقول الراشد : الكلام التركي الملتهب، يختلف عن الصراخ الإيراني، فهو لم يقطع علاقاته، ولم يوقف التعاون الأمني والعسكري والسياسي مع إسرائيل، واستمر الإسرائيليون يستخدمون الأراضي والأجواء التركية في مناوراتهم للتدريب على المعركة المقبلة ضد إيران. والعرب لا يبالون، فهم معتادون على الازدواجية . ويعتبر أن مشكلة العرب مع النجومية الإيرانية أنهم يخافون منها، يعتقدون أنها تخفي وراءها أجندة سياسية معادية. ففي دعمها للقضية الفلسطينية ترمي طهران إلى تعزيز نفوذ وكيلها حزب الله، وترمي وراء كل ذلك إلى فرض هيمنتها على دول المنطقة العربية. أما تركيا فإن أقصى المنافع التي ستحققها لنفسها من وراء رفع القميص الفلسطيني هي زيادة قيمتها السياسية خصوصا في وجه التلكؤ الأوروبي، هدف لا يتعارض مع المصالح العربية ولا يهمشها، بخلاف الأهداف الإيرانية التي تضر مباشرة بالجانب العربي. كما يقول .

يعترف رئيس تحرير جريدة الشرق الاوسط أن ظهور الشخصية التركية بهذه القوة في الساحة العربية،  يحرج الأنظمة العربية، لكنه يخدمها في الوقت نفسه بوقف الهجمة السياسية والدعائية الإيرانية. وربما لمعت في الذهن العربي المحاصر إيرانيا فكرة إبراز تركيا كدولة موازنة لإيران، الأمر الذي ينسجم كذلك مع مواصفات الصراع الجديدة في المنطقة، والطائفية أبرزها.

 

المقال الثالث بهذا الصدد كان بعنوان "غضب شعبي وموات رسمي" لرئيس تحرير صحيفة القدس العربي عبد الباري عطوان قال فيه : العالم يتغير بسرعة وفي غير صالح إسرائيل وأمريكا وحلفائهما في المنطقة العربية، والمهم الآن كيفية استثمار هذه الانجازات الكبيرة، والعزلة الإسرائيلية المتنامية بطريقة فاعلة،

عطوان الذي فضل عدم التطرق الى النظام الرسمي العربي لسبب بسيط كونه خارج التاريخ لا قيمة له ولا دور، في الأحداث الجارية، نظام تعفن مثل مبادرته السلمية، كما قال .

بعكس الراشد لا يرى رئيس تحرير القدس الموقف التركي موجها لطهران و يرى في اسطول الحرية هزيمة أخلاقية لاسرائيل ستخسر بسببها تل أبيب الكثير مشيدا بدور القيادة التركية ممثلة في حكومة العدالة والتنمية و الرئيس التركي عبدالله غل الذي قال ان إسرائيل ستدفع الثمن غالياً من جراء جريمتها في حق نشطاء سفن الحرية، ويعتبره عطوان محقا في هذا لان تركيا تقول وتفعل، فعندما أعطت حكومة نتنياهو اقل من عشر ساعات للاعتذار عن اهانة سفيرها وتحقيره، حصلت على ما أرادت، واضطرت هذه الدولة الفاجرة (اسرائيل) إلى تقديم هذا الاعتذار للمرة الأولى في تاريخها.

ويضيف الصحافي الفلسطيني  عطوان: أن رئيس الوزراء التركي قدم مثلاً لنظرائه العرب في الشجاعة والصلابة، وتصرف كرجل دولة حقيقي عندما طالب إسرائيل بالإفراج عن جميع ناشطي سفن الحرية فوراً، فتجاوبت حكومة نتنياهو المتغطرسة المتعالية فوراً ولم تبق على محتجز واحد متراجعة عن قرارها السابق بالتحقيق مع البعض ومحاكمتهم.

مشيرا الى أن أردوغان سيحصل على كل ما يريد لأنه يقف على أرضية أخلاقية قوية، وقاعدة جماهيرية عريضة، وبنية اقتصادية مشرفة، ولا يتلقى فلساً واحداً من المساعدات الأمريكية.

معتبرا تشييع شهداء المجزرة البحرية، وجميعهم من الاتراك،  ملفوفين بالعلمين الفلسطيني والتركي،  انقلاب كبير في تاريخ المنطقة والعالم. فمن كان يصدق ان تركيا التي كانت بالأمس القريب وسيطاً بين العرب والإسرائيليين، وتجري مناورات عسكرية سنوية مشتركة مع الأخيرين، تجعل من قضية رفع الحصار عن قطاع غزة العمود الفقري في إستراتيجيتها القومية، وتقدم الشهداء من اجل هذا الهدف الإنساني المشروع، وتعرب عن استعدادها لإرسال بوارج حربية لمرافقة سفن الإغاثة القادمة.

هذه خلاصة ثلاث قراءات نخبوية عربية تحكي  حال وواقع العرب المنقسمين  والقابعين في مربعات الانتظار السلبي للخلاص والمخلص وحتى تهدأ ضجة اسطول الحرية وتتجاوز اسرائيل صخب تداعيات اعتدائها الاثم على نشطاء السلام سنظل في انتظار مخلًص جديد نصفق له بملئ أكفنا ... 

Bookmark and Share
الأسم*

البريد الإلكتروني
شروط النشر:
- عدم الإساءة للأشخاص أو المقدسات أو الأديان
- عدم التحريض الطائفي والعنصري أو استخدام الألفاظ النابية
الموافقة على الشروط أعلاه
العنوان*

نص التعليق *
الرئيسية إعلانك في التغيير ارسل رأيك بحث متقدم تغذية RSS اتصل بنا جميع الحقوق محفوظة للتغيير نت ©
Powered By SSC