بلقيس الكوبية ..!!
2010/03/09 الساعة 17:44:00
سام عبدالله الغُـباري
- إمرأة في الخمسين .. و تختال كرياضية حسناء بشعرها الذهبي اللامع .. (!!) ، جاءت من كوبا الصديقة في فوج طبي متلاحق لتطبيب أمراض اليمن التعساء في مستشفى الوحدة التعليمي بالجامعة بمدينة معبر .
- رأيتها أول مرة على باب منزلنا .. تسألني عن "أمي" .. ضحكتها تلمع في سماء ذمار الغابرة .. و حولي تجمهرت العيون الزائغة .. أوصلتها لغرفة الجلوس .. و هناك قامت بتقطيب جراح "والدتي العظيمة" .. بعد إفاقتها غير المتوقعة من عملية جراحية إستعصى التئامها على أغبياء الطب المتزاحمين بـ(دكاكين الجزارة) الموصوفة إرتجالاً بـ(العيادات) (!!) .
- مرتين من كل أسبوع .. و "بلقيس الكوبية" - و هذا هو إسمها – تأتي بدوام مذهل إلى غرفة "أمي" ، و نحن لا نصر عليها .. تسأل عن حالها .. و ترمم بأناة وصبر جدار الجسد المفتوح بمهارة من تعلموا فنون الجراحة الصادقة ، تأتي من "معبر" ، و تعاني أهوال طريق الموت الإسفلتي لأجل مريضتها ، فـتـقفز كطفلة حين تلمس تحسناً في جرح "والدتي" شفاها الله تعالى ، وترفض بكبرياء حقيقي مبالغ المال التي نبذلها عن طيب خاطر .. و نقول : هذا أبسط ما يمكن ..!! .
- تسافر .. و تمضي بجانب "أمي" ساعات الليل الطويل .. تتحرك كأنها إبنة مخلصة لأمها الرؤوم .. لا تشكو .. أو تتذمر .. تنهض في بهيمة الليل الحالك بلا ضجر .. و تهب كالرجال لإسعاف المرضى الذين يتقاطرون إلى مشفاها الكبير ، و تمكث ساعات عديدة بجانب أمراضها .. تحنو ، و تبتسم .. تعطر هذا المشفى بروائح جلبابها الأسود .. تجتهد .. حتى تربك أشيائي المريبة ، و تستوطنني الغرابة .. ما الذي يدفع هذا الكائن البشري الجميل لفعل كل هذا الجهد المجاني ؟! .
- و أدركت .. و إمتنان الأطفال يدركني .. أن هذا السلوك البديع يأتي من نبع أمة بذلت لحياتها هدفاً .. لا يلوث المال كل دقائقه .. و لا يعتصر التفكير سبيلاً للبحث عنه .. كأنها لحظات تأمل في محراب الرب .. و واجباً إنسانياً يمنحه هذا الشعب الكوبي لقاء مبالغ الإعاشة الزهيدة التي يمنحها لهم البلد المضيف (!!) .
- إنه إغتراب مجاني .. (!!) ، لا يبحثون فيه عن المال .. أو شهوة البناء .. فيعودون بالآف الذكريات اللصيقة بمعاناة الناس .. و كم يحتاج شعب أحرمه التناقض من رؤية السعادة .. و النضوج ليرى حياته الحقيقية ، و أن إنسانية المرء لا تقف عند حدود الدين أو الهوية .. بل تتجاوزهما للغاية الأنبل .. و هي حياة الإنسان التي يبكون أمامها و قد أعجزتهم حيل الطب و أدويته .. (!!).
- "بلقيس" و قد منحت لنفسها هذا الإسم تيمناً بملكتنا الخالدة .. تعيش سنين الإغتراب بعيداً عن أهلها .. و ابنائها .. تنظر إليّ .. و ترفع خصلات الشعر الرقيق المنسدل على وجهها البرئ .. و تستعرض صور أقاربها في غمرة الحنين إليهم .. تبحث عن ماهية الأمل ، فتجده في حياة الناس الذين تنهكهم ، و تدمرهم جاهلة أطباءنا المسلمين .. و هم لا يحملون لواء الريادة .. ثم يستنكرون على جمهور المرضى فقدان الثقة بتشخيصهم الإرتجالي الخاطئ بتكرار أعمال المغامرة على غيبوبة الجسد .. (!!) .
- فعندما هرب الإرهابي المأفون "أبو حمزه" إلى لندن .. هرباً من جحيم نظام عربي .. إستبدل كفه الذي فقده في جهاد إفغانستان الكاذب بمنجل حديدي مخيف .. و جلس في الصف الأول بمسجد بناه المسيحيون لتعبدنا اليومي يُـرسل برقيات التهاني لرفاقه المتشددين .. و حين إتهمه نظام بريطانيا العظمي بإرهاب الأبرياء .. إنتفض من مسجده .. و بكى على قانون الحريات .. و المساس بحقوق الأقليات المسلمة .. (!!).
- هذه بضاعتنا على الدوام .. رُسل متخلفون .. أو أباطرة عاهرون .. فمتى أرسل العرب المدخنين بشائر الطمأنينة على قلوب سكان هذا الكوكب ؟! ، و متى أغاثوا الملهوف ؟! ، أو ساعدوا المنكوب ؟! ، إننا قوم نُـكفر معارضينا ، و نشنق أدبائنا ، و ندهس بإصرار بذور الزهور البرية .. و نسائم طلائع الحرية .. (!!).
- فقبل أن تأتي "بلقيس" الرائعة .. كان "خوان كارلوس" و هو طبيب حاز على قمة الأستاذية في جراحة الوجه و الفكين ، عرفته في عيادة "شقيقي طبيب الأسنان" .. و أراني فيلماً لعملية كُـبرى دخلها متبرعاً لإنقاذ وجه تعيس أكل السرطان جزءاً من وجهه الشاحب .. و أذهلني طوفان البراعة الذي تدفق بهدوء لترميم هذا الوجه الحزين .. (!!) .
- و لأن جهلنا سابقٌ لشكنا .. فقد يُـريبنا هذا الجهد الطبي المجاني البريء .. و قد نطلق شكوك المهمة المزعومة وراء ما يقدمه هؤلاء بدافع إنساني .. و نكوي أنفسنا بنيران الإجابات السخيفة .. لنبرر عجزنا تجاه العالم .. و واجبنا المقدس تجاه قضيتنا الإسلامية السامية التي صبغناها بجهالة مفرطة في نواحي التشدد و الأصولية .. و أكتسبنا جزءاً من الشرور .. و نحن نسير على منهج لا ينبغي أن يكون دستورنا الحالم .. (!!).
- لقد تخلى العالم عن فكرة المادية البشعة .. إلا نحن .. كل شيء بمقابل .. و كل عمل خيري بسند قبض .. و كل إبتسامة وراءها شك .. و دافع مريب .. حتى الضحكات لونها المتشددون .. و ألقوا في هويتنا الكونية قدر الرفض البليد لما يأتي من الغرب المريب .
- هؤلاء ليسوا مصاصي دماء .. و مثلما أحسن رئيسهم "كاسترو" في تهذيب رُسله .. و نسج بهم خيوطاً قزحية مبهجة .. فهو لا يذهب إلى المال .. إنما إلى العظمة التي تصنعها الشعوب الكبيرة .. و هذا المعنى الجميل وراء رسالتهم .. و كم كنت أرجو أن نهتدي على خطى رسالة أسمى من رسائل البشر العاديين .. رسالة نبي العالمين سيدنا : محمد صلوات ربي عليه .. فبها غير وجه العالم الجاهلي .. (!!).
- إننا نبتعد عن طرائق الذوق .. و التعامل .. و فنون التخاطب .. و نأكل كوحوش البرية .. نُـقاتل بحماس دامً .. و نقتلع جبروتنا من صخور الجبال الصماء .. و أما "بلقيس" فتغرد بفتنة و علم و عمل نحو الحقيقة الأسمى من صحراء قلوبنا الجرداء . . شكراً : "بلقيس".
Samgh4u@yahoo.com
|