مُت خلف
قبل 5 يوم, 22 ساعة

عندما يتقدم الانسان في العمر، لا تتسلل التجاعيد الى ابتسامته ، نظرته و جبينه فحسب. عندما  يتوغل الانسان في غابات العمر الموحشة و يبعد عن الشباب كثيرا لا يغزو الشيب مفرقه فحسب ، فلا يعرف أيفرق  شعره يمين ام شمال كي يخفي الشيب. عندما يتحول محياه تدريجيا من الشباب الى انسان يناديه الشباب بخالة او عم. عندئذ يجتذب بسبب ضعفه المرض تلو الأخر. ما بين مرض مزمن الى مرض عابر. ُيدرك بحزن عميق ان شبابه الذي كان يرسو في مرفأ ثابت صار الى الموت يخطو و يسافر.

سُنة الحياة، كلنا يعرف! لا يستطيع المرء منا ان يختبئ من هذه الُسنة مهما كان ذكيا ، قويا ،جميلا، او  ثريا خلف أي شجرة. لا يستطيع حتى صاحب السلطة ان يمنع بكل جنده و كل اسلحته وصول هذه الُسنه اليه.

بهذه الأفكار دخلت المستشفى بعد ان حجزت عند طبيب عظام معروف . الم في اصابع اليد الشمال .  رأيت موظفة  الاستقبال تسجل اسماء المرضى ، كانت مقطبة الجبين ، شديدة الانشغال، تسجل كذا مريض عند كذا طبيب دفعة واحدة. لعنت الحرب التي شيبت حتى الشباب. سمعتها تسأل رجل عن رقم موبايله لتسجل بياناته فإذا به يلف خلف المكتب و يقف بجانبها مسلما اياها موبايله قائلا :- " اسمي عبدالله ، دوري اسمي و اكتبي الرقم. انا بس اعرف اجاوب  اتصال."

كدت اعض شفتي هولا. الرجل ُأمي . اضف الى كونه أمي فلا قدرة لديه للحفظ. لا الومه طبعا ، كم صاروخ سمع ، كم قسيمة قلت قيمته ، كم شعر بالهلع من دوي انفجار؟ لا الومه ! الرجل امي و العالم الخارجي يحجز تذاكر للقمر. بلعت دمعة "ستاندباي" منذ بدء الحرب على اليمن.

 ثم جاء دوري فأعطيت البنت بياناتي و دخلت للانتظار في صالة دكتور العظام. صفوف من المقاعد الستيل الأنيقة، شاشة تلفزيونية معلقة اعلى الجدار. لكن من ألم المنظر احسست بريح باردة تكاد تطرحني ارضا. لم يكن يجلس على مقاعد المستشفى الا اطفال يتابعون قناة ناشيونال جيوجرافك و يأكلون بفك قذر الرائحة حضروا مع اهلهم المرضى ، يحسبون الأمر نزهه في حديقة السبعين. . اما جميع المرضى فكانوا على كراسي مقعدين ، كراسي بعجلات!  استغربت من اعماقي. كلهم مقعدين؟ لماذا؟ طيب يدخل مريض بعكاز مثلا،  او يدخل مريض بجبس، او مريض انزلاق، او مريض هشاشة . لكن كلهم مقعدين اثار استغرابي و هيج حزني شعوري الداخلي ان كلنا ، كلنا – في واقع الأمر - مقعدين بلا حراك.

جلست و دخلت بعدي امرأة تحمل طفل وتسرع كي تظل خلف زوجها. اقتربت لتجلس بجانبي فنهرها كأنها كانت ستلقي بنفسها في حضن  رجل غريب و فورا اشار بإصبعه الى الجدار ففهمت المسكينة ان مكان جلوسها هناك. الصقت ظهرها بالجدار ، جلست القرفصاء على الأرض تهز الطفل حتى خفت ان يصيبه ارتجاج في المخ، لعلها ما كانت تهزه و لكنها على حالها البائس تعلن الولولة. لم اجد تبرير لنهره اياها و امرها ان تجلس على الأرض، لماذا لم يترك لها متنفس و لماذا لم يأذن لها ان تغير جو بالجلوس على كرسي؟  هل يعقل في عام2017 ان يوجد ُقرى تعد الجلوس على كرسي حق من حقوق الذكور فقط؟ لست ادري لما تذكرت حجز تذاكر للقمر... في بلادي لن تحجز النساء تذاكر للقمر ، يكفينا ان ُنعامل كما ُيعامل البشر!

اخرجت قطعة شوكلاته  لتمدني بطاقة لتحمل هذا اليوم الحزين. في تلك الأثناء قام الطفل من حضن امه الجالسة على الأرض و بدأ يحدق في يدي و يمد يده إلى. تحرجت ، قسمت له قطعة من الشوكولاته.   اخذ يقلبها و ينظر اليها و الى. كأنما لم تكن رغبته ان يأكل شوكلاته و لكن ان يكتشف ماهية هذا الشيء. عندما رآني أكل اكل هو ايضا.  ثم بكى بحرقة كأنما اكتشف ان في الدنيا اشياء الذ بكثير من الخبز و الماء بنكهة الحليب. لم ارد ان اتمعن في الطفل. لا ينقصني أي هم. التفت اتابع قناة ناشيونال جيوجرافك.  لاحظت ان ام الولد كانت تنظف يدي و فم ابنها من الشوكلاته بانفعال و من شدة الانفعال مسحت الشوكلاته بأطراف ثيابها هي. جاء زوجها و هي لا تزال تمسح. غضب منها و  دافعت عن نفسها بلهجة يمنية غريبة لم افهم منها كلمة واحدة. لكنها اشارت الى كأنها تقول له هذه هي التي اعطته الشوكلاته. ادركت فورا بالرادار النسائي الذي تحتويه كل امرأة ان زوجها من النوع الذي يمسح بها البلاط اذا رأي الولد غير نظيف اما هي فلتتسخ كما تشاء. ان هي الا امرأة عوجاء ، خرجت من ضلع اعوج. تنجب و ترضع و تطبخ وهي من التعب ، تعرج. هكذا ثقافة هؤلاء الاغبياء! مجتمع ُمتخلف ! متخلف! متخلف. متخلف بالثلاثة. فجأة عقب تلك المشاجرة الهيروغليفية ساد صمت مطبق في صالة الانتظار.  كان التلفاز يعرض مناظر طبيعية خلابة ، تجعل المشاهد يتساءل إن لم تكن هذه هي الجنة فماذا اذا تكون؟ كان المنظر عبارة عن جبال متزاحمة خضراء ، يتدفق من اعلاها شلال يتفرع في سيول. يصل الى مصب عبارة عن حجار بيضاء كبيرة ثم يستكين في بحيرة. كان على حافة البحيرة حجار يقف عندهن دب بني كبير يحاول التقاط سمك يقفز امامه و في الجهة اليمين طيور بيضاء حطت على الحجار بريش يبلله الماء و تدغدغه الريح. سمعت اصوات تتعالى في الصالة " الله"  " سبحان الله"  و " الله اكبر" هنا كدت انبطح تحت الكرسي خشية تفجير ارهابي وشيك. ثم لعنت من شوهوا التكبير عندما يتلفظون به قبل استهداف مسلمين في تفجير. سمعت حوار بين ولد في العاشرة تقريبا من عمره. سأل والده و هو يشير الى الدب: -" ما اسم هذا الحيوان يا باه؟" التفت للأب لأسمع الرد ، سمعته يقول بوجه يدعي الدراية :-" عادي، عادي الاسم. هو حيوان غير موجود في اليمن. هو متوحش." صمم الابن قائلا:- " تمام بس ما اسمه؟" اجاب الأب :- " صعب عليك نطق اسمه ، لكن اعتبره " ثعل " كبير." اردت في تلك اللحظة ان اقف لمناظره وزارة التربية و التعليم! قال الابن لأبوه:- " ليت ونا هو!" شعرت فعليا بشعور الولد. الدب ليس فقط محاط بطبيعة خلابة لكنه ُحر. تمنيت انا الاخرى ليت ونا هو!

وصل الصالة بعد ذلك والد و خلفه ابنه في حوالي العاشرة بعكاز. وصل الأب لباب غرفة الطبيب و دق بأقوى قوته كأنما بيت ابوه. فتح الممرض له الباب فأبلغه انه يريد الدخول للطبيب فورا بلا تأخير لأن لديه اجتماع " طارئ". راودني ضحك. أي طارئ و أي كذب؟ كلنا ُنقصف بلا حول و لا قوة. متى قد انجدنا اجتماعكم الطارئ ؟ ليس لدينا أي شيء طارئ. القصف طارئ صح. اما اجتماعاتكم فمملة لا طاريء فيها و لا اهمية! اخبره الممرض ان عليه الانتظار. لسوء حظي نادى على اسمي لكون دوري التالي. لمحني الوالد فأستغل فرصة كونني امرأة ،  فدفع الممرض و دخل خشية ان يفوت اليمن حضور حضرته لذاك الاجتماع " الطارئ"! دخلت غرفة الطبيب بينما هو قد كان بدأ شرح شكواه: " انا لم اجيء لزيارتك يا دكتور بل قدمت اليك لأشتكي اليك اهمال طبيب جراح في مستشفاكم هذا قام بعملية جراحية لابني. كلفني المسمار 25 الف. اما العملية كلفتني 75 الف. "اشعرني انه لا يتحدث الى طبيب بل الى آلة حاسبة! استطرد في الحديث قائلا :- "  وعندما لم يتحسن الولد اخذته للجراح. طلب مني أشعة كلفتني 750 ريال ثم قال لي ان المسمار الذي وضعه اتضح انه وضعه غلط! عندما صحت و ثرت صرخ في وجهي ان احمد الله لأنه غلط و وضع المسمار في مكان " قريب" من المكان السليم. ثم بكل وقاحة ازبد  و هو يذكرني ان هناك شهداء اصغر من ابني عمرا يموتون بلا ذنب ، وان ابني على الأقل لعب كرة و وجد اب يعالجه! يطالبني ان احمد الله و اشكره لأن ابني لا زال حيا ُيرزق! قلك احمد الله قلك. لماذا احمد  الله على اهمال طبيب جراح وتقصيره؟ انصفني يا دكتور الله يرضى عليك." تناول الطبيب من يده الاشعة وتفحصها امام مربع الاضاءة. اضاف الأب الغاضب :-" اذا لم يتولى المستشفى اصلاح خطأ الطبيب ، سوف اقاضي المستشفى بكله!" ضحك الطبيب لسذاجة الوالد. كتمت انا ضحكة في روحي الحزينة. ضحكت الجدران. ضحك مربع الاضاءة حتى خَفت ضوئه. يعتقد هذا الطارئ ان في البلاد محاكم و قضاء و انصاف و عدالة. ابلغه الطبيب بموعد عليه فيه ان يحضر ابنه لإجراء عملية لكسر الالتئام الغلط و تعديل المسمار بحيث يلتئم العظم و يجبر بوضعية سليمة تسمح الولد ان يمشي في حياته دون ان يكون اعرج. لست ادر لما لم احتمل مزيدا من  الانتظار لدوري. خبأت اصابعي التي تؤلمني عند الاستيقاظ في حقيبتي. قمت و غادرت و الممرض يقول لي:-" الأن يا استاذة دوركم." التفت اليه. دوري في ماذا بالضبط؟

نحن لسنا مجتمع متخلف حتى النخاع فحسب بل نحن شعب يقول لنا كل ولاة امرنا يا متخلف بصيغة الأمر ُمت خلف! نحن مصيبتنا ان كل ساستنا ، رعاتنا ، قادتنا ، رجالاتنا المسئولين يقولون لنا يا مواطن يا يمني  ُمت خلف الاطباء المهملين ، مت خلف الساسة العملاء في الداخل و الخارج، مُت خلف. مُت خلف التجار الجزارين ، مت خلف معلمينا الذين لا يعلموننا ان( لاكن) غلط و (لكن) صح، يقولون لنا ُمت خلف الجهلة ، الخونة، و خلف كل الدنيا. مت خلف كوليرا تكنسنا و تجحفنا بالمئات. سهل يا مواطن يا يمني ُمت خلف ، مت خلف.

خرجت من المستشفى ،لملمت اصابعي داخل حقيبتي ، لتؤلمني اصابعي حتى تتساقط.... سأعالجها انا و لن اتركهم يموتوني خلف!

http://katibawakalam.blogspot.com/

مدونة الكاتبة في جوجل

....

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet