تعثر النفط وارتباك «المركزي» يعمّقان حالة البؤس في اليمن
قبل 1 شهر, 13 يوم

لا يمضي يوم واحد دون أن تسمع أو تقرأ خبرا حول «مرتبات الموظفين» في جهاز الدولة اليمنية، حتى أصبح الخبر متلازمة تستهل به وسائل الإعلام نشيدها الصباحي ويومياتها المثيرة.

وبشكل مواز ينشر «الموظفون في الأرض» بعض نداءاتهم اليومية لمطالبة الحكومة بدفع الأجور الشهرية التي تكاد تكون الحبل الذي يربط «ابن آدم اليمني» بالحياة، في مرحلة البؤس العظيم الذي يعيشه البلد المنكوب بكارثة الانقلاب المليشياوي تحت شعار الموت لأمريكا «البعيدة جداً».

تم نقل البنك المركزي اليمني، في سبتمبر من العام الماضي، من صنعاء إلى عدن، العاصمة المؤقتة، لكن العالم حتى اللحظة لم يستطع إقناع أنصار الله «المنقلبين» بأن يوافقوا على نقل قاعدة المعلومات التي تحوي في ما تحويه سجلات موظفي الدولة في الجهازين المدني والعسكري، بمعنى أن البنك المركزي، تم نقله إدارياً على بساط الريح دون مال أو إرشيف. وبالطبع دون دخل حقيقي من القطاعات الاقتصادية المتعثرة، وفي ظل رفض حكومة «الانقلاب» في صنعاء من توريد دخل الدولة من مناطق سيطرتها إلى البنك المركزي.

المشهد سريالي للغاية، لأن على الحكومة الشرعية أن تدفع موازنات المؤسسات والجيوش التي يديرها تحالف صالح/الحوثي ويفرض من خلالها سلطانه، يرافق ذلك ضغط خارجي للتنفيذ المستمر بصورة شاملة.

وفي الوقت ذاته تستغيث الحكومة في عدن بالمجتمع الدولي أن يضغط على الطرف الآخر لتوريد الأموال من دخل المناطق الواقعة تحت سيطرته، دون جدوى. هي معادلة غريبة ليس فقط في الجوانب المالية التي يحرص العالم على أن تسير بطريقة لا تضر بالانقلابيين، ولكن أيضاً في مجال المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، لأن مسؤولين في اليمن يشكون إلى الخالق عز وجل ظلم تلك المنظمات بأنها لا تكاد ترى إلا بعين واحدة.

عاش اليمن خلال العقدين الأخيرين معتمداً بشكل رئيس على دخل الدولة من قطاع البترول. ورغم تواضع إنتاج النفط والغاز مقارنةً بالمحيط الإقليمي، إلا أنه شكل نسبة تفوق 70%‏ من دخل الدولة، ويمثّل النسبة الأعلى بين صادرات اليمن إلى الخارج. هذا القطاع الحيوي تأثر بصورة سلبية منذ أحداث «الربيع العربي» بسبب توقف الاستثمارات الجديدة. لكن مع ذلك ظل سقف الإنتاج ثابتاً نسبياً، حتى حلت الكارثة الكبرى في 21 سبتمبر 2014 حين سقطت صنعاء بالقوة بيد جماعة أنصار الله، وبدأت الأرض بمن عليها تتأهب لمرحلة غامضة وخطرة لم يسبق أن عرفها التاريخ.

توقف إنتاج النفط والغاز بصورة كاملة، وانسحبت كل طواقم الإدارة البترولية الأجنبية إلى خارج اليمن، بعد اندلاع الحرب المدمرة، بسبب إصرار المليشيات الانقلابية على التمدد بقوة السلاح باتجاه مناطق الوسط والجنوب، وصولاً إلى مدينة عدن. ومنذ تلك اللحظة حتى الآن لم يعد سقف الإنتاج إلى سابق عهده على الرغم من أن جميع مناطق الامتياز المنتجة دون استثناء تقع تحت سيطرة الحكومة الشرعية وبعيدة للغاية عن مناطق التماس.

هنا يجب الوقوف على هذا الأمر لأنه حيوي وشديد الأهمية ويمثل شريان الدخل والرافد الأكبر والثابت لموازنة الدولة، وربما أهميته في هذه اللحظة تفوق أهميته في أي وقت مضى وأي وقت سيأتي.

تتوزع مناطق إنتاج النفط والغاز على الشريط الصحراوي من محافظتي مأرب وشبوة التاريخيتين إلى هضبة حضرموت، التي تربو رسوبياتها على ضفتي وادي حضرموت الكبير الممتد من الغرب إلى الشرق/ جنوب الشرق، ويتناثر على مساراته عدد من المدن الجميلة والبلدات والقرى، وهي تزين المنحدرات بالمعمار الحضرمي الشهير.

وعلى الرغم من إعلان الدولة بأن كل مناطق النفط أصبحت آمنة، خاصة بعد التحرير النهائي لمدن الساحل الحضرمي، بما فيها ميناء تصدير النفط، من قبضة «أنصار الشريعة» في أبريل العام الماضي، إلا أن بعض الشركات العالمية ما تزال تتلكأ.. فيما بدأت أخرى بصورة حذرة للغاية تتلمس عودتها من خلال جهود استطلاعية، خوفاً من أي انتكاسة مزعومة للأمن. ومع أن النفط في «بلاد الله المتحاربة» يتم إنتاجه فوراً، ويُستفاد من كل قطرة فيه، من قبل الجهة المسيطرة كما هو الحال في ليبيا وسوريا وكذلك العراق «في وقت سابق»، فإن حكومة اليمن تتحرك ببطء شديد لإقناع الشركات النفطية المنتجة والخدمية للعودة الكاملة، كما أنها لم تتخذ التدابير الاحتياطية من الناحية القانونية والإجرائية، ولم تدرس خيارات إدارة العمليات البترولية بواسطة الشركات الوطنية، في حال إحجام الشركات الأجنبية عن العودة بصورة غير مبررة، كون الدولة تمتلك الحصة العظمى من المخزون النفطي، وهي المالك للمنشآت والأصول التابعة، ولأنه في ظروف قهرية، ونظراً لحاجة البلد، تصبح الدولة مضطرة لحماية مصالحها وإطعام شعبها وإنقاذه من مخاطر المجاعة والبؤس الاجتماعي، مع الاحتفاظ بحقوق الشركاء وفقاً للاتفاقات.

ومن ناحية أخرى فإن قطاع البترول مصاب بتضخم بيروقراطي بسبب الكم العددي للمسؤولين، يقابله ضمور وشلل عام في الأجهزة التنفيذية المختصة في الإشراف على «صناعة المنبع». وحسب بعض المراقبين المختصين فإن إنتاج النفط يقتصر الآن بصورة حصرية على شركتي بترومسيلة وصافر، وهما شركتان مملوكتان للدولة، وتديرهما في الغالب كوادر محلية، وبدونهما فإن القطاع بمجمله سيصاب بسكتة قلبية وسيحمل صفة «المغفور له».

إذن هناك مهام عملية وفورية، لا تحتاج إلى عبقريات استثنائية، أمام الحكومة اليمنية، تتمثل في ضبط الإيقاع بصورة فاعلة وحقيقية لأداء المصرف المركزي، وضمانات تفعيل القطاعات المنتجة بدرجاتها القصوى، خاصة قطاع النفط والغاز، وأن يتم فصل المسائل الاقتصادية والمالية عن الولاءات والرهانات المختلفة، أو الصراعات البينية وتحريرها من تجاذبات الصلاحيات والمصالح، مهما كانت الأسباب لتجنب أي ضرر إضافي لحياة البشر في ظروف اليمن الخطرة والغامضة، التي للأسف لا تنتظر أفقاً حقيقياً للسلام، على الرغم من خريطة كيري المعدلة وجولة ولد الشيخ الحالية في الإقليم.

"القدس"

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet