أوضاعنا ليست طيبة
قبل 4 شهر, 14 يوم

قد تكون هذه المرة الأولى التي يوجه فيها رئيس أمريكي اتهامات لسلفه ويسميه بـ(المريض) بعد فترة قصيرة من احترام قواعد انتقال السلطة لكن رئيسا بنفسية مضطربة مثل ترامب لم يتمكن من الاستمرار في كبح جماح انفلاته ونعت خصومه بأبشع الصفات، ولا يتورع من استخدام أسوأ التوصيفات عليهم، ورغم سعيه من اليوم الأول لانتقال السلطة على الوفاء بوعوده الانتخابية لقاعدته الشعبية وتوقيعه على عجل أمام العدسات على عشرات الأوامر التنفيذية واعتقاده أن هذا سيكون بداية انطلاق تحويلها إلى قوانين، إلا أنه بدأ يدرك أن المسألة أشد تعقيدا مما كان يمارسه في مكتبه ببرج ترامب في مدينة نيويورك.

دونالد ترامب كان بمقدوره تجاوز كل العراقيل والعقبات التي ظهرت بمجرد توقيعه على أوامره التنفيذية، أقول إن ذلك كان ممكنا لو أنه كان يدير بلدا من أقطار في العالم الثالث حيث يستطيع بجرة قلم تغيير قوانين وأحكام نافذة دونما حاجة إلى القلق من محاسبة أو نقد أو عقاب، ويكفينا تنشيط الذاكرة إلى سنين قصيرة مرت أمام أعيننا ولابد أنها عالقة في مخيلة الكثيرين فنستعيد كيف عبث شخص واحد مثل معمر القذافي ببلاده طيلة أربعين عاما وأدارها بطريقة عشوائية ودموية فجاءت نهايته المؤسفة انعكاسا لأسلوب ممارساته خلال فترة حكمه.

باستثناء تونس فإن المشهد في الجمهوريات العربية التي أدركها الربيع العربي وانتقل فيها الحكم عبر الانقلابات العسكرية أو عبر ترتيبات شكلية فقد كانت خاتمته مضطربة وعبثية وغاية في الوحشية، واستمرت الأوضاع فيها مصدر قلق حقيقي وتدهور في الأوضاع المعيشية والأمنية، وسبب ذلك من وجهة نظري أنها لم تصنع قطيعة مع الأنظمة التي سبقتها بل جاءت امتدادا لها وبدـ الأمر يتحول من ضفة إلى ضفة مقابلة لكن مجرى الأمور لم يتبدل وذاك أمر طبيعي أيضا لأن الذين استلموا الحكم كانوا أنفسهم نتاج الأنظمة السابقة كما أن السلف لم يترك مؤسسة يمكن لها المحافظة على السلم الاجتماعي فحدث التمزق داخل النسيج الوطني ولم يعد ممكنا وقف دورات الدم والأحقاد.

في الولايات المتحدة كما في الديموقراطيات الغربية على وجه الخصوص فإن بنية المؤسسات تسمح بإعادة ضبط الأداء وإصلاح الأخطاء عبر أنظمة راسخة تتم دوريا صيانتها وتحديثها بما يتناسب مع المستجدات، وهنا يكمن الفارق الفاضح بين ذلك العالم وعالم الدول العسكرية الانقلابية، وعندما استثنيت تونس من الفشل العربي في عواصم الربيع فلعل الفضل في ذلك يعود إلى البنية التعليمية وقوة مؤسسات المجتمع المدني والدور القوي للمرأة التونسية وكل هذه الأعمدة رسخها الراحل الحبيب بورقيبة الذي وعلى الرغم من تفرده بالحكم إلا أنه كان صاحب مشروع إصلاحي صار معارضوه أكثر من يتمسك به ويحرص على حمايته.

لا أحد يستطيع له التكهن بما سيحدث في الأشهر القادمة من حكم ترامب لكن القلق لابد أن يتركز على ما سيحدث في منطقتنا وكيف ستتعامل مع هذا الوافد إلى الحكم من بيئة غير تقليدية وبتصرفات غير منضبطة ولا تقيده القواعد التقليدية للحكم، ومن المهم للغاية عدم الالتفات إلى نظرته السلبية تجاه إيران وألا يتوهم الكثيرون أنه سيكون أقرب إلى النظرة العربية تجاه تدخلات طهران وممارساتها السلبية وغير الودية في الشأن العربي فالرجل لا يهمه من أمرنا إلا بمقدار ما ستحصل عليه بلاده من فوائد إضافية.

على العرب الإسراع في إغلاق ملفات النزاعات الداخلية في سوريا واليمن وليبيا ووضع حد للاستنزاف وإضاعة الجهد والوقت وعليهم البحث في كيفية الانتقال إلى حالة هدوء تسمح بالبحث في المستقبل لأن الحاصل الآن هو انشغال بالماضي وتصفية لحسابات وثأرات.

الراية القطرية

وكيل وزارة الخارجية اليمنية سابقاً

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet