أنفاس النفط اللاهثة والإيهام بالغرق..
قبل 2 شهر, 14 يوم

الشرق الأوسط ومقامات الرئيس

أكد وزير الطاقة السعودي خالد الفالح استعداد بلاده لزيادة حجم الاستثمار داخل الولايات المتحدة، في مجال النفط والغاز، خاصة في صناعة التكرير، تماشياً مع سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة.

وكما يبدو للمتابع فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تولي اهتماماً كبيراً للاستثمارات في جانب تطوير مصادر الوقود الإحفوري وتوسيع البنية التحتية. 

الولايات المتحدة تحولت في السنوات الأخيرة بعد تطوير قطاع النفط والغاز الصخري إلى منتج رئيس يسعى، وفقاً لسياسات الطاقة المعتمدة في السنوات الأخيرة، إلى تحقيق مستوى مقبول من الاكتفاء الذاتي، وربما التصدير إلى الخارج، إلا أن اقتصاديات تنمية قطاع النفط الصخري كانت تمثل التحدي الأكبر نتيجة للكلفة العالية لإنتاج البرميل الواحد، التي وصلت إلى مستوى لم يعد معه انتاج ذلك النفط وفقاً لظروف السوق عملية مجدية.

حاولت المملكة السعودية وروسيا العام الفائت تدارك الأسعار العالمية، في مساع مشتركة لإيجاد توافق داخل منظمة أوبك وخارجها، بهدف تقليص الفائض في الأسواق العالمية، من خلال ضبط سقوف الإنتاج بصورة تحقق جدوى موضوعية للبلدان المصدرة، وتخرجها من دائرة التوظيف السياسي للسياسات السعرية، التي أدت إلى وجود فائض كبير في السوق العالمية، تسبب في هبوط حاد لأسعار النفط عانت منه الدول المنتجة أكثر من غيرها.

من زاوية مقابلة فإن الرئيس الأمريكي ترامب، كما يبدو لكثير من المراقبين، عازم على تبني سياسة التنويع الحذر لمصادر الطاقة الأحفورية والمتجددة، ولكن مع الانفتاح على دعم وتشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية في مجال النفط والغاز، سواء في قطاعات التنقيب والإنتاج أو في صناعة التكرير والتوزيع، حيث اعتمد في بداية عهده بعض مشاريع البنية التحتية لإمدادات النفط. وربما سيسعى إلى توسيع قطاع النفط الصخري، وتشجيع العمل على تحديث التقنيات الفاعله لإنتاج ذلك النفط بأقل كلفة ممكنة، مع عدم إغفال التوسع في مشاريع النفط والغاز التقليديين.

أهمية الشرق الأوسط ودول الخليج بشكل خاص لا تكمن في تصدير المواد الهيدروكربونية إلى الولايات المتحدة، بل أهميتها تكمن كلاعب رئيس في سوق النفط والغاز في العالم، وفي استقرار الأسعار في مستويات متوازنة تدعم النمو الاقتصادي العالمي وتكبح أي أضرار قد تصيبه. وهذا يعود بالفائدة بطريقة مباشرة على الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر اقتصاد عالمي. كما أن القدرات الخليجية في مجالات الاستثمار في الولايات المتحدة وتصدير رؤوس الأموال إليها، إلى جانب كونها سوقا رائدة لاستيراد المنتجات المدنية والعسكرية المتطورة، يجعل الشراكة مع دول الخليج أمرا يتسم بالحيوية والاستمرارية. وربما تحرص إدارة ترامب على إعادة تأهيل تلك الشراكة بصورة أكثر فاعلية مقارنة بحقبة الرئيس السابق أوباما لأسباب عدة أهمها، أن الرئيس الأمريكي الجديد وضع الاقتصاد الأمريكي أولى أولوياته، واستثمار كل شيء وأي شي من أجل التفوق المتجدد للولايات المتحدة، بعد أن تبين أن هناك قوى عالمية تنمو بشكل متسارع قد تتجاوز في سباقها المكانة التي تربعت عليها أمريكا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.

بكلمات أخرى فإن أنفاس النفط الشرق أوسطي بدأت تعيد التفاؤل، ولو بصورة أولية إلى دول مجلس التعاون، لتخرجها من الحالة المبهمة التي فرضتها سياسات إدارة الرئيس السابق أوباما، من خلال خطوات اعتبرها البعض مقدمات تنذر بانتهاء الشراكة الاستراتيجية القديمة بين الولايات المتحدة والخليج، خاصة بعد اتفاقية الملف النووي الإيراني، وسياسات الولايات المتحدة الغامضة والمرتبكة تجاه الأزمات الكبيرة في المنطقة.

لكن يظل هناك سؤال كبير ومبرر: حول المدى الذي يجب أن تذهب إليه دول مجلس التعاون الخليجي ومعها الدول العربية الأخرى في الاعتماد على الولايات 

المتحدة، والسعي الدائم لاسترضائها ، خاصة بعد تجارب عديدة تتوجت بحالة العلاقات الباردة والمثيرة للجدل خلال السنوات الثماني الماضية، التي أوجدت حالة شرق أوسطية «موهومة بالغرق» بعد أن أثبتت فيها الولايات المتحدة ومعها المجتمع الدولي عجزاً متنامياً في بذل جهود حقيقية لإنقاذها. كما أن شخصية ترامب المنفلتة، كما يبدو للمراقبين، تثير كثيرا من التحفظات حول درجة اليقين في الاعتماد عليه كشريك حقيقي، فالرجل لديه حزمة من السياسات التي بدت منذ الوهلة الأولى متناقضة وغير مدروسة، خاصة بعد أن أثارت أوامره التنفيذية موجات احتجاجات وانتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

كما أن هناك مؤشرات تثير الحيرة والحذر في فهم شخصية الرئيس الحالي، فالبعض يعتقد أن سلوكه ربما يعكس مقامات مختلفة تجسد «سيكولوجيا الشخصية 

الترامبية»، إن صح التعبير. فهناك مقام الرئاسة، وهو حالياً المقام الأول الذي يضع الإطار القانوني والسياسي لرئيس أقوى دولة ديمقراطية في التاريخ، وهناك المقام الرأسمالي للملياردير ترامب، الذي شكل الحاضن العملي ونمت من خلاله القدرات الخاصة للرجل منذ عقود، يضاف إليهما مقام «أقصى اليمين» الذي اكتسبه من قناعاته الفكرية والأيديولوجية وانعكس في خطاباته وأدائه حتى اللحظة، وأصبح في نظر الكثيرين في العالم رمزية حاكمة للنظام الرأسمالي بأدواته اليمينية المتطرفة، بعد تقادم المؤسسات السياسية الغربية بشقيها التقليديين.

إذن هناك أسئلة كثيرة وحائرة. هل تستطيع دول الخليج ومعها الدول العربية أن تتجاهل، من تجربتها، حقائق مزعجة حول مآلات الاعتماد الكامل على دولة عظمى بعينها، معرضة في محطات مختلفة لأن تتغير وأن تتخذ تدابير سياسية، بل وتتبنى خططا استراتيجية تصطدم مع المصالح الحيوية لدول المنطقة؟ 

إن التجارب التي خاضها النظام العربي منذ تأسيسه، تشير بصورة واضحة إلى أن الاعتماد على الآخرين خارج المنافع المتبادلة والمتكافئة يجلب الصدمات وربما سيتسبب، إذا لم تكن هناك احتياطات وموارد داخلية، بانتكاسات خطيرة والتاريخ الحديث لا تنقصه الشواهد.

النفط ليس سلعة أبدية تتعلق بأنفاسه دورات الحياة العربية في كل منعطف وفي كل مسار، فالشرق الأوسط العربي قارة تحركها الحاجة الماسة للنهوض والاستقرار، وأن تصبح جزءا حيا وفاعلا بين الأمم، وحين تتعثر، كما هي عليه اليوم، فإنها تكتظ بالحنين إلى الماضي البعيد لتستدعيه بكل الوسائل. لهذا تعيش المنطقة العربية بأسرها مخاضا يختلف عن كل ما حصل في تاريخها، حتى في البلدان التي تعتقد أنها بمنأى عن ذلك.

هناك حاجة لما هو أكبر وأعظم من محاولة اجترار العلاقات الدولية بنمطها التقليدي. ورغم أهميتها ، إلا أن عدم التجديد في خلايا النظام العربي وكذلك عدم 

التجديد في منظومة العلاقات الدولية، قد يدل على سكونية الفكر والعجز عن الحراك الضروري لمواجهة التحديات المذهلة، التي تحتم السير في طريق الإصلاحات الحقيقية، في منظومات الحكم، وفي إعادة تأهيل المجتمعات العربية وتمكينها من أن تتنفس بحرية كما تفعل شعوب الأرض.

*كاتب يمني

"القدس العربي"

  لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet