من الاخوان الى الحوثيين
قبل 2 شهر, 7 يوم

 الاسلام السياسي بكونه سلطة لإدارة الحروب في اليمن ؟!

 (1)

في مؤتمر عمران الذي نُظم في سبتمبر 1963، وهندس له القاضي "محمد محمود الزبيري"، ودُعم من بقايا  اخوان 48 ولاحقيهم، بدأ طرق موضوع الجمهورية الاسلامية اول مرة، وطالب بعض المؤتمرين صراحة  برحيل القوات المصرية، والتفاهم مع السعودية والملكيين . وجاء مؤتمر خمر الذي انعقد في مايو 1965، بعد فترة وجيزة من اغتيال الزبيري في برط، مطلع ابريل من العام ذاته ليعزز من هذا المسار. تاليا اُستخدم  التيار القبلي  كرأس حربة ضد السلال وحكوماته. ولم تصل "الجمهورية العربية  اليمنية"  الى انقلاب 5 نوفمبر1967(الذي الغى مدنية السياسة وجمهوريتها معا كما قال الدكتور ابوبكر السقاف)  الا وهذا التحالف  قد غدا سلطة فعلية، تخلصت من  الخط الجمهوري المحسوب على السلال وعبد الناصر، مستفيداً من تداعيات نكسة حزيران. وجاءت احداث اغسطس 1968 برائحتها (المناطائفية ) الكريهة  لإزاحة ابطال ملحمة السبعيين (المحسوبين على اليمن الاسفل)، وتصفيتهم استكمالا  لمسلسل التآمر على الثورة اليمنية، او كما يرد في سيرة القاضي" يحي لطف الفسيل " في صفحة جماعة الاخوان "وما أن بدا للقاضي يحيى الفسيل صدق التوجه لتصحيح مسار الثورة والجمهورية وسلامة النهج الجمهوري وبالأخص بعد أن حدد النظام الجمهوري موقفه من الشيوعية بعد أحداث أغسطس عام 1968م، وبعد استعلاء شريعة الله في الدستور الدائم، والذي نص بعد إقراره أن الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعاً .. عاد عالمنا العامل إلى صنعاء منادياً كل أبناء اليمن بلزوم السلم وإنهاء الحرب الأهلية بعد أن اطمأن إلى لطف الله باليمن وسلامتها من الأفكار الوافدة بادئاً حياة جديدة حافلة بالخير والإصلاح والنصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم." هذا التيار هو الذي ذهب الى المصالحة، واعاد الملكيين الى اقتسام السلطة، وان عضوا ملكيا  كبيرا ووزير خارجيتها عين عضوا في المجلس الجمهوري، واعني هنا  "احمد محمد الشامي". وفي هذه الفترة لمع نجم رجل السعودية القوي  القاضي "عبدالله الحجري" ،والد احمد الحجري رئيس الهيئة العامة للمعاهد العلمية ( صهر الرئيس السابق صالح) ،والذي تولاها بعد مؤسسها الفعلي القاضي "يحي لطف الفسيل"  (الملكي المعروف)  ،واحد رموز التيار الاسلامي في اليمن. القاضيان الحجري والفسيل لا تخفى علاقتهم بتعزيز التيار الديني في تحالف السلطة، الذي كرسته معاهدة جدة 1970،والمكون من التيار المشيخي والجمهوريين المحسوبين على السعودية والاخوان ،والملكيين الهاشميين منقوصين من بيت حميد الدين. في ذروة حروب  المناطق الوسطى  والعدين وشرعب وعتمة ،نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، كان خريجو المعاهد العلمية هم اصل المليشيات المسلحة، التي تحارب مقاتلي الجبهة الوطنية الديموقراطية المعارضين  للنظام، وان دفعة شبه  كاملة لكلية الشرطة مطلع الثمانينيات  كانت من طلاب المعاهد العلمية، وان العشرات منهم عينوا فور تخرجهم (بعد اخذهم لدورة تنشيطية في معهد الميثاق) مدراء للمديريات، وكان ذلك اشبه بمكافئة للتيار نفسه ،على بلائه الحسن في (حروب المخربين) كما كانوا يسمونها. ومثلما عٌين ضباط في الامن الوطني، في شعبة مكافحة الشيوعية، من كوادر التيار المعروفين، ويشغرون الان مواقع قيادية عليا في حزب الاصلاح، تم تعيين العشرات من العائدين من أفغانستان، الذين ابلوا في حرب استباحة الجنوب عام 1994 في الامن السياسي، وان اسماء كبيرة منهم هي الان من قيادات القاعدة و داعش في الجنوب. اليس هذا كافيا للقول بكل اطمئنان ان تيار الاسلام السياسي(الاخوان) جزءا اصيلا من السلطة ومنذ خمسين عاماً، وانه مارسها فعلا ومنذ مطلع الجمهورية،  ليس في اقل من وزارتين فعليتين (التربية والتعليم والاوقاف)، و الاولى كان يقاتل عليها بشراسة، حتى وهو يمتلك تعليما موازياً بكامل  هيكليته (الهيئة العامة للمعاهد العلمية). حين اُسس المؤتمر الشعبي العام في اغسطس 1982،كان الاخوان هم قوته الحقيقية، وان دليله النظري (الميثاق الوطني ) صيغ بلغة ومضامين (اسلاموية)  بشكل لا يخفى على احد. في مذكراته قال الراحل "عبد الله بن حسين الاحمر" صراحة، ان "علي عبد الله صالح" طلب مني تشكيل حزب اسلامي عشية الوحدة، ليكون اداة سياسية واعلامية  مناهضة للحزب الاشتراكي، لان المؤتمر الشعبي حسب تبرير صالح، كما قال الشيخ، مرتبط باتفاقات مع الاشتراكي، والتزامات تتوجب بقائه بعيدا عن الواجهة ( وطلب الرئيس منا بالذات مجموعة الاتجاه الاسلامي وانا منهم ان نكوِن حزبا في الوقت الذي كنا لانزال في المؤتمر .... قال لنا كونوا حزبا يكون رديفا للمؤتمر  ونحن واياكم لن نفترق وسنكون كتلة واحدة .... الى اخر الكلام )  مذكرات الشيخ عبد بن حسين الاحمر ص248 لهذا بدأت المعركة الاعلامية باكرا ضد الاشتراكي (عشية الوحدة وضحاها)، لتتوج بالتخلص من كوادره العسكرية والامنية والسياسية  بالقتل والتنكيل في عمل تصفوي واجتثاث غير معلن، حتى يخلو الملعب لذات تآلف الحكم المستدام ، الذي انفتحت شهيته لابتلاع الجنوب، من بوابة عودة ( الفرع للأصل) وهو ما كان  فعلا في صيف 1994، ليتقاسم بعدها حيتان الحكم، واحزاب السلطة (المؤتمر والاصلاح ) بوجهاتها المشيخية والعسكرية والدينية  الجنوب كمجال عام وثروات (في البر والبحر). التناقضات العابرة بين راس النظام والتيار السياسي الشاب  في الاصلاح،  التي بدأت منتصف التسعينات، واخراج الاصلاح من حكومة ما بعد انتخابات ابريل 1997، بواسطة الاغلبية المريحة التي قال بها الدكتور الارياني ، لم يمنع من اعلان الاصلاح دعمه الكامل لترشيح علي صالح في انتخابات سبتمبر 1999م ،وان رموز اعمدة الاصلاح القبلي( الشيخ الاحمر) والديني (الزنداني) والسياسي (اليدومي) صاروا اكثر قربا من صالح،  بل وفي الدائرة الاضيق لصناعة القرار!! هل تتذكرون اللقطة الاشهر لصالح ،وهو مجتمع بعلماء السلطة، في ذروة ثورة فبراير 2011رافعا المصحف ،وطالبا تحكيمه (فيما شجر بينه وبين الشعب) ،وان الذي كان بجواره هو عبد المجيد الزنداني، الذي ذهب الى الساحة بناء على طلب صالح نفسه ،لكنه وفي اللحظة الاخيرة عمل بحاسة (الجرذان)، التي تكون اول من يقفز من السفينة في حال شعورها بالخطر، لأنه ايقن ان واجهة جديدة ، اكثر بريقاً، يمكن الاحتماء بها عوضا عن صالح الذي حماه، ولم يسلمه للأمريكان طيلة عقد كامل ، ليس حباً فيه ولكن لاستثماره، ولكونهما ايضا شركاء في صناعة القاعدة، و جامعة الايمان ،وشركة الاحياء البحرية . مسودة المبادرة الخليجية ، المتضمنة بند الحصانة ،صيغت باتفاق "علي صالح" و"علي محسن" ،وان الثاني امتلك تفويضا كاملا من الاصلاح وال الاحمر ،لقطع الطريق عن ثورة شعبية تجتث النظام وبنيته وادواته وفلسفته، وليس رأس النظام المحصًن فقط . ومن نتائج هذه المبادرة كانت المحاصصة (اللعينة) بين الاصلاح والمؤتمر الشعبي في اقتسام اهم وزارات حكومة باسندوة، والمؤسسات والهيئات والمواقع القيادية  فيها، وتركهم الفتات للحلفاء والشركاء . فعمل الطرفان بحكم خبرتهما التاريخية فسادا وتدميراً ،مكنت طرفاً لم يُحسب لقوته ومشغلاته الحقيقية  (الحوثيون) ان يبتلع مؤسسات الدولة الرخوة  بكلفة اقل من حساباته هو. وها هو يدخل البلاد في الجحيم من بوابة اسقاط الجرعة والتقاسم والفساد و الاقلمة !! اليس ممثلو الاصلاح والمؤتمر هم من قدموا مقترح الاقاليم الستة، لقطع الطريق على مبادرة الاشتراكي، التي اعتبروا مضامينها بدولة اتحادية من اقليمين تكريسا للانفصال ؟! اليس هم من رفضوا دخول الحوثيين  في حكومة محاصصة، بذريعة  عدم توقيعهم  على المبادرة الخليجية ؟ ورضخوا لذلك تاليا  حين دخلوا الى العاصمة، بغطاء اقليمي وتسهيل داخلي ،تورطت به دوائر السلطة  الفاعلة ؟ والأقلمة  هذه كانت احد مبررات تحالف الحرب الداخلي، في شن عدوانهم على اليمنيين، معتبرين ان  حصر اقليم آزال  وحشره في الهضبة بدون منافذ وموارد، هو نوع من التآمر على سكانه، وفرزهم طائفياً، وبهذا الاسلوب يتم حشد ابنائه للقتال في كل الجبهات، في حرب استرداد مقدسة، يلعب فيها صالح بكل ادواته القذرة من اجل اطالة امدها للانتقام من الجميع ، حلفاء الامس وشركاء اليوم .

(2)

 الحوثيون بوصفهم (حركة دينية تتخذ من الدين وسيلة لامتلاك السلطة، بذات الكيفية التي اتبعها خصومهم  ) ، هم الان يشغرون الفراغ الذي تركه الاخوان في  عمق الجغرافية الزيدية، في اعادة  انتاج واضحة للسلطة التاريخية في المناطق الاكثر تعصبا للمذهب والاشد انغلاقا وحرمانا، التي حاول لسنوات طويلة (الشيخ) تطويعها بشعارات الدين والتوطين الايديولوجي الوهابي . هذه الحركة لم تنبت في الفراغ ، وجذورها التاريخية تضرب عميقا في تاريخ الصراع السياسي بتجلياته المذهبية ، لكنها الان هي التعبير العنقي الصارخ  للهاشمية السياسية ، التي لم تغب عن المشهد السياسي، اذ استطاعت التكيف مع اوضاع التحول الصعبة بعيد  سبتمبر62 ،لتغدوا من خلال رموزها المجمهرة، جزءا فاعلا من سلطة القرار السياسي والوظيفة العامة في مفاصلها الحيوية. وهذا التراكم الطويل وخبرة الادارة ،هو ما يحفظ للحوثيين حضورهم القوي والفاعل داخل مؤسسات الدولة، في المدن التي سيطروا عليها بانقلابهم المشئوم، برغم كل ما يتعرضون له من ضربات . حتى ان شريك الانقلاب والمحاصص الرئيس في حكومة بن حبتور ( مؤتمر صالح) صار منزوع القوة، بفعل استحكام الحوثين على مفاصل القرار الحقيقي في الادارة والحرب ،بحكم الوجود التاريخي لمتعصبيه في بنية الدولة، حتى ان بعض منظري المؤتمر وكتبته بدأوا يقاربون (بمرارة) ما يسمونه تجاوزات (انصار الله) بحق كادر المؤتمر الشعبي في المؤسسات، في اخلال  صريح لاتفاقات الشراكة في تشكيل المجلس السياسي والحكومة  كما تقول كتابات  (الحبيشي  والشجاع والصوفي على سبيل المثال)  تيار الاسلام السياسي (بشقيه الاخواحوثي)، وفي مجتمع شديد الانغلاق والجهل ، سيظل يراهن على  الجمهور المتعصب كوقود في معارك الاستيلاء على السلطة بأدوات الحرب كما هو حاصل اليوم، وعلي  تحاصصها في التسويات او حتى في الانتخابات الشكلية ان قُدر اجراؤها حين تضع الحرب اثقالها . فتيار الاسلام السياسي (بشقيه)  هو الجز الاصيل والمشغل الفاعل في السلطة، وفي تدوير الصراعات والحروب مهما بدل في شعاراته ومواقفه وتحالفاته.  

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet