لماذا يزداد الطلب على جماعات العنف في اليمن ؟!
قبل 2 شهر, 17 يوم

 اصولية السلطة وعصبويتها ،والتي اقفلت المجال العام امام القوى الحية من احزاب ونقابات وجماعات مدنية منظمة، حتى يظل تعبير هذه القوى عن حراك المجتمع ضعيفا ،ويلبي فقط شعارات التسويق لديموقراطية النظام خارجيا، انتجت هذه السلطة و "بوعي" اصوليات موازية ،حتى تجعل من مسالة المقارنة بموازيها يصب لمصلحتها ،ويكون الطلب على بضاعتها مستداما.    غير ان هذه السلطة حينما بدأت بالترهل اولا، ثم بالانقسام (بفعل تورة فبراير2011) ،تركت المجال العام للموازيات من جماعات العنف ،والاصوليات الدينية والجهوية، التي صنعتها، على مدى سنوات، فشغرته الاخيرة ببضاعتها الرائجة، والاقل كلفة، بفعل تزايد الطلب عليها. في ذروة حروب المناطق الوسطى (1978ـ 1981) لم تجد السلطة بتألفها (القبلي الديني العسكري)  جيشاً وطنيا يحارب تحت شعاراتها التكفيرية والتخوينية، فكان ان استعانت بمليشيا التيار الديني، التي نظمتها تحت مسمى "الجبهة الاسلامية" لمحاربة "الجبهة الوطنية" المناهضة لها، وحظيت هذه الميليشيات برعاية خاصة من السلطة والسعودية معا، واُسندت لها ادوار ووظائف متقدمة في المجالين الامني والعسكري، وعُززت ادوارها الوظيفية في التربية والاوقاف طيلة عقد الثمانينيات. وفي حرب 1994 كانت ذات الميليشيات (التي تقوى عود محاربيها في حروب افغانستان) اهم اركان تحالف جائحة الجنوب، وادوات التذويب الهوياتي فيه لصالح خطابها التكفيري. لكن حينما شعر طرف السلطة "الطائفي" بخطورة ان تكون هذه الجماعة جزء من بنية السلطة الامنية والسياسية وشريك فاعل في القرار غير المسيطر عليه، عملت على انتاج اصولية دينية  موازية لها ومتقاطعة معها ايديولوجيا. فكانت وراء تأسيس جماعة (الشباب المؤمن)، التي سوقت في البداية كحركة احيائية داخل المذهب الزيدي، وفي حاضنته التاريخية (صعدة)، التي كانت قد بدأت السلفيات الجهادية التفسيل فيها منذ عودة "مقبل الوادعي" مطلع ثمانينيات القرن الماضي من السعودية. وكان الهدف من ذلك في بداية الامر ابتزاز السعودية بإيجاد بؤرة توتر في خاصرتها الجنوبية الرخوة، بعد ان بدأت العلاقات تتراجع بشكل متسارع بين (صنعاء والرياض)، والتي شهدت شرخها الاكبر في ازمة  الخليج الاولى، بغزو نظام العراق لدولة لكويت (اغسطس 1990) بعد عشرة اعوم، وبضغط سعودي مباشر، ومستتر امريكي، ستخوض السلطة اول حروبها مع الجماعة المسلحة وبأدوات "الجارة" من عسكر ومشايخ، لكن بعد ستة حروب (2004 ـ 2009) خرجت الجماعة اكثر قوة وتسليحا وشعبية ، لان رأس السلطة كان يستخدمها لإضعاف مناوئيه داخل بيت الحكم، ولا يحارب لاجتثاثها. وهدف من ذلك تقوية مركزه كحاكم  بإبقاء قوته العسكرية الخاصة بعيدا عن هذه الحروب. وفي ذات الفترة كان النظام يعيد تفخيخ الجنوب بجماعات العنف الديني، التي استخدمها  هذه المرة لخلخلة بنية الاحتجاج السلمي، وتشويش صوته، وتشويه صورته بربطه بالتطرف، بعد ان استخدمها قبل عقد ونصف من ذلك ضد الحزب الاشتراكي اليمني، وتشويه منجزاته الاجتماعية والاقتصادية في مناطق الجنوب. هاتان القوتان العصبويتان (الحوثيون والقاعدة وروافدهما) بوجودهما الضاغط على الارض ، وتعاظم تأثيرهما ،بفعل تمكينهما من اجهزة السلطةت، وانسحاب الدولة كمفهوم وناظم لعلاقات المجتمع، جعل من مسألة الطلب على بضاعتهما في اوساط الفئات الفقيرة والعاطلين الشبان والعصبويين، امرا يسيرا وميسرا ايضاً، فكونتا في اقل من عقد من الزمن جيشا من المحاربين العقائديين، يخوض حتى اليوم حربا مفتوحة على المجتمع في كل الجغرافيا  اليمنية.

وفي اعادة لإنتاج الكارثة، يمكن للمتابع ان يلحظ وبقوة اليوم ان المناطق التي خرجت من قبضة تحالف الحرب الداخلي (الصالحوثي) في "الجنوب وتعز ومأرب والجوف"، صارت تشغرها جماعات العنف الديني والمناطقي، بسبب غياب الدولة (الشرعية) وضعف اداء اجهزتها في هذه المناطق، فصار الطلب على بضاعة هذه الجماعات ايسر وارخص، من بضاعة الشرعية ذاتها ، وتربة هذه المساحات اخصب لتفسيل مشاريع الفوضى والتفتيت، التي يُراهن على استنهاضها  بواسطة استثمارات الحرب واقتصادها الذي صار ينتج طبقته التي لا تريد للحرب ان تنتهي.   

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet