في الذكرى الاولى لرحيله: عبد الكافي الرحبي ... فضاء التعدد المشمس (*)
قبل 5 شهر, 12 يوم

ما تُبينه تجربة الكتابة، عند عبد الكافي الرحبي (1957ـ 12اكتوبر2015 ) لمتفحصها ان ثمة مثقف متنوع ، تُظهِر مهاراته جملة الاشتغالات النقدية والبحثية و الدرسية التي قام بها على مدى ثلاثة عقود، ملامساً وبوعي مختلف ،العديد من القضايا والموضوعات الفكرية والتاريخية والادبية، الحاضرة كمكونات في البنية الثقافية للمجتمع، والمؤثرات العميقة فيها، التي احدثتها عملية التثاقف القرائي، الذي خاضته النخب الثقافية والتنويريون اليمنيون على مدى الخمسين عاما الماضية، والتي قارب اسهاماتها تلك، من اكثر الزوايا جدة و عقلانية.

التكوين المعرفي االصلب على يد نخبة من علماء الاجتماع والفلسفة وكذا المحيط الثقافي الذي انغمس فيه الى جانب خياراته السياسية وانحيازه لليسار منذ منتصف السبعينيات ، اسهمت جميعها في تكوين الشخصية الرائدة للباحث المجتهد وكتاباته، التي كانت تجد في مساقات التنوير والعقلانية سهمها الواضح ،لتفضي في النهاية الى هذا التطييف الكتابي ،الذي ابانه كتابه الاول "اعمدة الشمس " (1) الذي شكل بمستوعباته النصية المتعددة مفتاحاً مهما لخارطة انصرافات الكاتب المتنوعة تلك، وعززها باقتدار عال كتابه الثاني "فضاء الخطاب النقدي"(2) والذي صدر بعد وفاته بقليل

(1)

الكلي الثقافي، بمفرداته الادبية حينا، ومشغلاته الاجتماعية والتاريخية والسياسية حينا اخر، كان العنوان الابرز للتجربة الكتابية في كتاب "اعمدة الشمس"، الذي توزعت مادته على المقالة الفكرية والمادة البحثية، والنص النقدي، والتحليل الثقافي للمادة التراثية، والنص التثاقفي في الموضوعات السيارة والمستوطنة ايضاً .

"الثقافة الواحدية" كمادة مفتتحة للكتاب، هي المقالة الاوضح في تتبعها لمآلات فرض الواحد والمتشابه ،بالقوة او التعصب الفكري، والغاء الاخر واثرها السلبي في تطور المجتمع ،ووجدت في السياقين السياسي والثقافي لمرحلة ما بعد تبدلات نظام الحكم في الستينيات انموذجها الحي . فحين لم تتح طبقة الحكم المتعاقبة ،تارة باسم الثورة واخرى من باب التحصين، للتنوع والتعدد ان يأخذا مداهما ويعبرا عن حضورهما الفكري والسياسي الطبيعي ،انتج المجتمع دكتاتورية الغلبة والاستئثار، وتماهى معها الى درجة الرضوخ الفج، والقبول بقواعد صناعة الحاكم الفرد، والفئة المستأثرة وافضت تراكماتها القاتلة الى ما نعيشه الان في عين الكارثة، بسبب استباق السياسي للثقافي والاقصاء المتعمد لدور المثقف الرائد باعتماد سياسة زجه في النفق المظلم وحرفه عن دوره التنويري القادر على نقد ركام الزيف والمسخ الفكري، وديكتاتورية الحكم .

في "لبنيوية ...الانسان والتاريخ" يدرس الكاتب الظاهرة الاشكالية للبنيوية كمدرسة فكرية تبلورت في ذروة الحرب الباردة، كتيار بدأ في الانتشار وغزا الكثير من العلوم الانسانية، كي يعمم نفسه على اشكال المعرفة وحقولها، وقد ذهب منظروها الى اعلان القطيعة مع النزعة التجريبية ،والنزعة التاريخية ،متجهين الى الوعي ، محيلين اياه الى بنية بهدف الكشف عن عناصر الثبات في العقل الانساني، تحت مزاعم الوصول الى الدقة في العلم المنضبط للعلوم الانسانية كما في العلوم الطبيعية.

الظاهرة التي قالت بموت الانسان ،ستجد من يعبر عن نزعاتها الاشكالية ،في حقول المعرفة بإسهامات كبار المفكرين والنقاد في القرن العشرين فهي كما يذهب محمد العباس في مدونته " اشتغال على درجة من التشظي كما يتأكد ذلك من خلال تأمل الأسماء الفاعلة في هذا الحقل المعرفي بتبايناتها المختلفة، الماركسية عند لوي التوسير، والابستمولوجية عند ميشيل فوكو، والسيكولوجية عند جاك لاكان، والأدبية عند رولان بارت، والانثربولوجية عند ليفي شتراوس، والألسنية عند سوسير، والرياضية عند مدرسة البورباكي."

الدراسة ستعنى كثيرا بنتاجات كلود ليفي شتراوس احد الاباء الكبار للبنيويين في هذا السياق، وهي فيما ستعنيه لنا ، تلك الاحالات بالغة الدلالة لاشتغالات الرحبي بموضوع الدراسات الاجتماعية، الذي هو الجزء الخالص في تخصصه العلمي.

المادة التي ستذهب بنا الى مفردة ثالثة في انصرافات الرحبي، وهي مقارباته النقدية للموضوع التراثي، وستتوقف امام تلك المفارقة بالغة الدلالة، في رؤيتين متعارضين للجاحظ بشأن الكتابة . فقبل ان (يتعزًل) كان الجاحظ يرى في الكتابة العدو الاول للعقل، معليا من شأن المشافهة، شأنه شأن فلاسفة اليونان الاوائل مثل سقراط "الذي عرف عنه ذمه واستهجانه للكتابة، ظناً منه واعتقادا من انه ينزه الحكمة من دنس التدوين"ويقترب ايضا من الزاوية الاكثر قتامة في رأي فقها عصر الانحطاط من شافعية واثني عشرية في مسألة الكتابة. ومرجع ذلك عندهم ان المشافهة والسماع، من اهم ركائز الموروث العربي الاسلامي في السرد القائم على الرواية والسماع.

الكتابة بهذه الرؤية، تغدوا العارض ،اما المشافهة فهي الجوهر، الذي يمثل عين الحكمة وتنزيهها، وان الاولى لا ترقى الى مرتبة الشرف الرفيع، وتبعاً لذلك فالخط يمثل الدنيئة، وكان يرى للكتَاب طبائع لئيمة، وان انبلهم اخسهم ،وهم والعوام سواء ،لانهم اشرار خلق الله.(ًص51).

الرؤية التي اسست فكريا وثقافيا للشفاهية عن طريق الرواية / والسماع وازدراء الكتاب والكتابة ،كما يقول المؤلف، سوف ينقضها الجاحظ بعد ان تبنى افكار المعتزلة وآرائهم الكلامية ومنهجهم في التفكير، وسيكتب عن افضال الكتابة ومميزاتها واهميتها العلمية والثقافية في ترسيخ الفكر والمعرفة ،وما تتركه من تأثيرات عميقة على جميع المستويات الاجتماعية والثقافية من تطور بما في ذلك صفاء النفس وشفافيتها.(ص53)

ـعقد التسعينات بعواصفه العاتية، التي اجتثت الكثير من المسلمات والمفاهيم، التي صمدت طيلة فترات الحرب الباردة، جعلت الكثير من المشغلين بحقول الدراسات الانسانية ،مثلهم مثل المشتغلين في حقول المعارف السياسية والاقتصادية، يعيدون النظر في الجهاز المفاهيمي، للمصطلحات الراكدة، وعصبها المتيبس.

اذكر ان التفاتات نقاد النقد الادبي، ومن جديد لمفهوم الريادة الشعرية، خلقت العديد من السجالات، وهنا كان عبد الكافي واحد من النقاد المعدودين الذي اولوا الموضوع عناية مختلفة، فكتب موضوعا متميزاً حول صناعة الريادة، التي اعتبرها اقرب الى صناعة النجومية منها الى دراسة التحولات الثقافية والاجتماعية ، التي شهدتها البلدان العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ودخلت معظمها ما عرف بمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية .

لهذا فالريادة عند الرحبي هي :ظاهرة اجتماعية ابداعية تاريخية، حتمتها ضرورة التغيير في البنية والشكل في مجال الشعر انسجاما مع تطورات العصر ومؤثراته ، والارتقاء بالبنية الجمالية الشعرية كي تستوعب الثراء والتنوع في الحياة والمعرفة، واعطاء الفضاء التخييلي مداه واتساعه الجمالي والابداعي في القدرة على صياغة موضوعاته واشاراته الرمزية من خلال التشكيل اللغوي ،بدلالاته الجمالية التي كشفت عنه القصيدة الجديدة منذ اواخر الاربعينيات "صناعة الريادة وهم ام حقيقة ؟! ص61".

في هذا الكتاب عمل عبد الكافي الرحبي على اجلاء الغبار عن واحد من المفكرين اليمنيين واكثرهم دأباً وعلماً، وهو العالم اليمني في مجال الفكر العربي الاسلامي الدكتور "حسين بن فيض الله الهمداني " الذي افاد خلال النصف الاول من القرن الماضي الكثير من الباحثين الذين درسوا الفرق الاسلامية ، بالذات ما يتعلق بفكر وتكوين فرقة الاسماعلية حيث مثل مرجعية فكرية وتاريخية وافاد بعلمه الغزير العشرات من الطلاب في جامعات الهند والمانيا ومصر، التي عمل محاضرا فيها منذ اواخر عشرينيات القرن الماضي حت وفاته في العام 1962م

ولأنه لم يحظ بقدر كاف من الاهتمام والبحث الذي يستحقه الا فيما ندر، كان على الرحبي المثقف الملتزم، ان يجلى عنه غبار عدم الاهتمام هذا، ومنه التعريف به، كأول اكاديمي في الجزيرة العربية والخليج، على عكس ما ظنه الجميع بان المرحوم "الدكتور محمد عبده غانم" هو اول خريج ، حسب ما درجت عليها العديد من الكتابات، التي ذهبت في تأكيد مثل هذه القضية.

وحسب الكاتب ايضا تبرز اهمية هذا المفكر والعالم الجليل ، بانه كان يجيد العديد من اللغات الحية، ولغات قديمة عديدة، وهي سمة يتصف بها العلماء والمفكرون البارزون، الذين افنوا حياتهم في البحث والدرس وافادوا البشرية بعلمهم .(ص63)

وكشف الرحبي في مقالته هذه عن معلومة مهمة جدا، وهي ان المفكر العربي الكبير الراحل عبد الرحمن بدوي وفي طور تأليفه لكتاب "من تاريخ الالحاد في الاسلام" ، استفاد من ذخيرة الهمداني المعرفية والكتب المخطوطة المتوفرة في المكتبة المحمدية الهمدانية، فقد مده بعديد مخطوطات انبرت تدافع عن الاسلام في وجه تيار الزنادقة ومنها المجالس المؤيدية لمؤلفها المؤيد في الدين هبة الله بن ابي عمران الشيرازي، داعي الدعاة في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، والتي ظنها الجميع انها مفقودة من زمن طويل ،ووجدها بدوي كما قال في مكتبة الهمداني الى جانب مخطوطة لابي حاتم الرازي بعنوان اعلام النبوءة. (ص55 و56).

في العام 2000 ،نشر عبد الكافي الرحبي مادة مهمة لمناسبة الذكرى المئوية لصدور كتاب المفكر النهضوي الكبير عبد الرحمن الكواكبي، اسماها كما تظهر في الكتاب ايضاً (الثقافة ومحنة الاستبداد) ، وفيها اقترب من واحدة من اسمى اسهامات رواد التنوير ،التي وئدت، حتى تتعبد طرق الاستبداد لنخب الحكم، تحت شعارات وطنية ودينية زائفة، حذر من ويلاتها في كتابه الرائد "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" .

في هذه المئوية قال الرحبي "من اكثر من قرن، ونحن نراوح ما بين الحرية والديموقراطية، وما بين الاستبداد المطلق للسلطة الحاكمة، وهيمنتها الكليانية على الشأن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، يحميها منظومة من الرؤى والمفاهيم ، يعمل على صياغتها باجتهاد مثقفون سياسيون يكرسون التخلف ويعيدون انتاجه "(ص71)

دور المثقف الساند والمُبِرر للاستبداد، كما يتجلى هنا هو المعضلة الحقيقية والمعيق لمشروع التنوير، الذي نادى الكواكبي ورواد مشروع النهضة، فان لم تتخلق حاضنة واعية بمشروع الحرية، يكون نواتها المثقف والثقافة المتحررة من التبعية وتغول السلطة وقهرها، فكل شيء سيذهب ادراج الرياح. فالخوف والخضوع، يتيح للاستبداد مصادرة حرية الافراد والشعوب معاً، ويقود لإنتاج سلطة قاهرة مستبدة منغلقة على ذاتها ، لا تعترف بالثقافة والمعرفة الا اذا كانت امتداداً لها . (ص 76).

(2)

كتاب (اعمدة الشمس) الذي اختتمه الرحبي بموضوع (العولمة وتسليع المعرفة والثقافة) ، افتتح كتابه (فضاء الخطاب النقدي)، بما هو بديلاً عن المقدمة، بالقول :

(في عصر العولمة والقرية الكونية، ما من شك اننا نعيش على هامش الثقافة والفكر، ،بل في خارج العملية الابداعية بشقيها المادي والروحي ،والمتأمل لواقع الحال في بلادنا سيكتشف ان الوضع مزرٍ وبائس عما كان عليه الحال في السبعينيات والثمانينيات، التي شهدت انتعاشاً فكرياً وثقافياً، في شتى المجالات المعرفية، بما في ذلك الحوارات الفكرية والثقافية) . (ص3)

الانحدار نحو الخراب ،في هذه البلاد كما شخصها الرحبي، بدأ بهذا التراجع المخيف للموضوع الثقافي، الذي استتبع التراجعات في الفضاء العام للمجتمع، فما انجز قبل فبل اربعة عقود ،وفي ظل الانغلاق، وسطوة الاجهزة، اهم بكثير مما انجز في عصر ،العولمة والفضاء المفتوح .

لهذا كان لزاماً ان يكبر السؤال المهم والمختزل في : هل ما كان يطرح من اشكاليات ثقافية وابداعية، تعبير عن عمق فكري ومعرفي اصيل، متجذر في الواقع، ومؤطر في مؤسسات ومراكز علمية، ام كان سطحياً وهشاً يعكس وجاهة ثقافية، ونبالة نخبوية منفصلة عن واقعها ؟!(ص5)

في "ديكتاتورية النص .. مستودع الطاعة "يسجل الرحبي موقفاً واضحاً، من موضوع الشهرة والنجومية، التي جعلت بعض الكتاب لا يتورعون من تسجيل مواقف سريعة متناقضة، حيال قضايا فكرية وثقافية، متكئين في ذلك على حضورهم الاعلامي الضاج، الذي يتحول بإسناده ،هذا النجم، الى نص قامع متعال، مهمته الرئيسية وأد كل نص ابداعي نقيض، فيخلق مقابل مقدسه الشخصي مدنس الاخر، هذا المدنس يُختزل في كل مرة، عند القارئ الحصيف، بعملية الخروج من مستودع الطاعة، وعدم الرضوخ لهيمنة ديكتاتورية النص المتعالي، والخروج، عند الرحبي، لا يتم الا بامتلاك مفاتيح التفكير الابداعي الحر.

ـ في "النقد الاكاديمي والابداع" ،يدرس ظاهرة غياب النقد الاكاديمي الصارم عن العملية الابداعية، بسبب ابتعاد النقاد انفسهم، بمن فيهم اساتذة الجامعات ، عن تطوير ملكاتهم، ومتابعة المتغيرات المتسارعة على منظومة المفاهيم ،والمقولات المنهجية والنظرية للمذاهب الجمالية والادبية الكبرى .(ص 14)

لهذا فالمصطلح النقدي الحديث غائب عن الساحة النقدية الابداعية في بلادنا، ولا نكاد نلمس او نحس بوجوده ،وان وجد فبصورة شاحبة ،وبالمقابل يتغير ويتطور بشكل نوعي لدى النقاد العرب ،خصوصاً في منطقة المغرب العربي، بسبب وجودهم على تماس وتثاقف مع المنجز النقدي ونظرياه النقدية في الغرب .(ص 17)

ـ في "التناص ووهم الابوة في الابداع" يقوم بتحليل ظاهرة التناص ، من زوايا الانتاج والتلقي، معتبرا ان الظاهرة، تعبير مكثف عن الاحلال والازاحة، في جدلية العملية الابداعية. فالنص لا يتخلق من فراغ، لكنه ينتج في عالم مليء بغيره من النصوص، غير انه يحاول في كل مرة ان يحل محل هذه النصوص بإزاحتها ، اما بالتطابق او الانفصال او النفي الكلي . اما اهمية التناص في الدرس النقدي كما يرى تكمن في دحض وهم الابوة الروحية في الابداع، وتخليص الابداع من هذا القيد الكابح . (ص23 ـ 24 )

ـ في استعراضين متعاقبين وشاملين، قدم الرحبي، للقارئ جهدين متميزين لناقدين كبيرين ،يمثلان مدرستين نقديتين مختلقين، الاول هو المصري "صبري حافظ" في كتابه الصادر في العام 1996 بعنوان (افق الخطاب النقدي ـ دراسات نظرية وقراءات تطبيقية )، وهو كتاب كما يقول يتناول الخطاب النقدي الحديث، الذي يدور حول مناطق الابداع الادبي والجمالي والمعرفي اللصيق بصناعة وانتاج الرساميل الرمزية ،التي تبدأ برأس المال الاعترافيي، وتنتهي بكل اشكال الهيمنة الرمزية في المجال الثقافي/ الادبي .(ص 27)

والثاني المغربي "عبد الفتاح الحجمري" في كتابه الصادر في ذات العام بعنوان (عتبات النص .. البنية والدلالة)، وبواسطته ابرز الرحبي ما للعتبات من وظائف في فهم خصوصية النص ، وتحديد مقاصده الدلالية، وما ترسمه من اهمية في تعيين طرائق اشتغالها، وطبيعة العلاقة التي تقيمها مع اشكال متنوعة، من الخطابات والروابط الفكرية ،وبين مكونات النص ضمن بنية دلالية شمولية، تراعي شروط انتاج الخطاب وتداوله.(ص36)

في "السابق في الابداع ... اللاحق في التراث" سينجز عبد الكافي الرحبي قراءات في الموضوع السردي المعاصر ،والمتكئ على مبذولات التراثي وفضاءاته، والتي افضت في نهاية المطاف، الى انتاج نصوص شديدة الخصوصية والتفرد، على نحو رواية الامريكي مايكل كرايتون "اكلة الموتى"، التي نهضت كفكرة على تفاصيل مدونة (ابن فضلان)، وسفاراته الى ملك الصقالبة ، ممثلا للخليفة المقتدر، الى جانب سرد تفاصيل رحلته الطويلة الى بلاد الروس والبلغار والاتراك والبلاد الباردة "اسكندنافيا"، في وقت كانت تعيش هذه البلدان حياة بدائية، ولم تدخل بعد لحظة التدوين"القراءة والكتابة".

في "التلقي المبدع" ، طرح الرحبي جملة من الاسئلة الحادة، حيال ظاهرة الكتابة الايروتيكية، التي شاعت في التسعينيات، ومتح فيها عديد الكتاب والفنانين من موضوعات الجسد في التراث العربي، افكارا لكتاباتهم ورسوماتهم فقال :

هل الموروث هو الانسب لإنتاج النصوص الادبية، وان الراهن لم يعد قادراً على مدهم بموضوعات جمالية وفنية، تعبر عن وجدانهم ؟! ام ان الواقع قد بهت، ولم يعد ثرياً ومتنوعاً بالموضوعات، التي تناسب امكانياتهم وقدراتهم الابداعية ؟!

لكن بمقابل ذلك، امكنه التوقف امام تجارب ابداعية لافتة، تتقاطع وتتناص مع نصوص تراثية، انتجت من قرون عديدة، لتقدم نفسها كحالات كتابة تجريبية عالية الدهشة في وقنا هذا ، تطلب اعادة انتاجها جهدا فنياً ، وتراكيب لغوية من حيث التوزيع الطوبوغرافي للكتابة كرؤية جمالية بصرية، ومنها كتاب (اخبار المجنون) للشاعر قاسم حداد، و(كتاب الحب) للشاعر محمد بنيس، ورسوم الفنان العراقي ضياء العزاوي.

هذه الاطلالة على منجز عبد الكافي الرحبي (النقدي)، الملموم بعضه في كتابين ، تعطي القارئ صورة (اردتها قريبة)،عن قلم نقدي شديد الخصوصية والتأثير، سيتوقف امام (رسالته) دارسي ومتتبعي تجارب النقد الادبي في اليمن طويلاً، لانفتاحاته ، وتعددها الاسلوبي والجمالي.

الهوامش

(*) مقتطفات من مادة طويلة تعرض لكتابات عبد الكافي الرحبي المشورة في كتابي "اعمدة الشمس" و "فضاء الخطاب النقدي"

(1) اعمدة الشمس ـ قراءات في الفكر والادب ـ الطبعة الاولى 2003 اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين ومركز عبادي صنعاء

(2) فضاء الخطاب النقدي ـ دراسات ادبية تطبيقية الطبعة الاولى 2015 صنعاء

  لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet