تعز... المنزلق الطائفي وتغذية الكراهية !!
قبل 1 سنة, 13 يوم

الصحيح في مقولة (ان الحروب تُظهر اسوأ ما في النفوس البشرية) ،يقابله ايضا ان السلام ابنا شرعيا  للوعي السياسي الشجاع، ولا يصمد معافى الا في جغرافية مؤمنة  بالتعايش !!

سياق  قولي مثل هذا ،يفرضه مزاج الحرب، الذي بدأ يراكم من ادواته الاكثر فتكا، في مسارات المواطنة المتهتكة اصلاً .فما كنا نظنه اعتلالاً مناطقيا مؤقتا كغيمة جافة عابرة ،غدا  مكرا طائفيا يستوطن  الوعي الشعبي وتجلياته البائسة. وما اعتبرناه صراعا سياسيا بأدوات قاهرة في تعز، يتغذى من الانقسام الذي فرضته، تجذرات نظام  الحكم ، وعدم الاندماج ، مضافا اليه تأثيرات اقتصاديات الحرب وشبكات المصالح التي تتوسع دوائرها الجاذبة للمثقفين والسياسيين ورجال الاعمال ، يتجلى اليوم كوعي طائفي صادم ، في  جغرافية لم تعتاش من روافده ومظلومياته، في تاريخها القريب او البعيد !!

ما حدث في مشرعة وحدنان قبل عام ،وما حدث اواخر الشهر الماضي قرى الصراري بجبل صبر ، يُراد له ان يخرج من مسار الصراع السياسي، (الدامي) كما يحدث في مناطق تعز الاخرى، الى الاستغلال الطائفي النتن، الذي يريد له البعض ان يتحول الى مظلومية، يُجيِش لها ويستنفر لعناوينها  مقاتلي المذهب وعصبووي الطائفة.

منذ مئات السنين ،وسكان هذه المناطق متعايشين، في بيئة فرضت على ابنائها ،كسنة من سنن الحياة (ان يتزاوجوا ويتخالطوا ) ولم تُرصد اختلالات مذهبية، او عنصرية في علاقات الناس بعضهم ببعض ،حتى جاءت هذه اللوثة لتستنفر من المكامن  عصبويات  ما قبل المواطنة ، التي اختار اصحابها  الاصطفاف  تحت لافتاتها على اساس مذهبي، في حرب لا يتورع مشعلوها في استخدام كل الاوراق لتبريرها، بما فيها الورقة المذهبية، التي قادت الى مثل هكذا افعال.

وبغض النظر عن صحة ما نسب الى احد القادة الحربيين الكبار لجماعة الحوثي في ذمار في اجتماعه بقيادات حوثية ،ووجاهات هاشمية والذي قال ،حسب وسائل الاعلام:

 "إذا خسرنا معركة تعز، فذلك يعني أن نسمح بحدوث كربلاء ثانية في صعدة" معتبرا أن جبهة الحدود هي فقط لتحسين شروط التفاوض، وحلها بسيط جدا، وبشخطة قلم، بعكس جبهة تعز، التي ستكون في حالة تراجع أنصار الله، بداية لثورة انتقامية من جميع الأسر الهاشمية وعلى رأسها السيد عبدالملك وأسرته المجاهدة".

فان خطابا مثل هذا ،بدأ في التجسد الفعلي لتغذية الكراهية ،على اساس مناطقي، ليتجاوزها  الى المحاذير الطائفية ، التي بدأت بعض مكونات  الخطاب الجمعي باستخدامها، لنبذ الاخر وتدوينه. فالإصرار على( دعشنة)  كل ما هو اسفل الهضبة ،على اعتبار ان هذه الظاهرة نتاج لتشدد (سني ) صرف، استجلب بوضوح خطابا مناهضا ، بدأ يتغلغل في الوعي الشعبي، هو الاخر ،معتبرا  كل المقاتلين، والمتعصبين المنتمين لشمال اليمن (ذات الاغلبية المذهبية الزيدية ) شيعة صفويين (روافض).

استمرار الحرب ،وانسداد افق السلام في المدى القريب ،سيضاعف من (هتوكات) التعايش الهش ، الذي سيتحول الى هويات انعزالية في جغرافية متشظية،  ستشغر مساحاتها المتنوعة دويلات تلبي رغبات ( ما قبل المواطنة ) التي تقدم نفسها كبديل للهوية الوطنية، التي لم يقل تاريخ  اليمن(القريب والبعيد) انها تحولت الى قيمة فضلى يمكن الدفاع عنها.

المصالح التي عززتها الحرب (باقتصاد الظل وشبكات المصالح العابرة للطائفة والمنطقة)، تجعل من مشروع دائم للسلام حلما بعيد المنال ،والا ما معنى التصعيد الذي تشهده مناطق التماس ،مع وصول المفاوضات الى منتهاها ، بالتزمين الذي حددته الجولة الثانية منها ،وتصريحات خارجية الدولة المستضيفة ،واخيرا اعلان تحالف الحرب الداخلي (صالح والحوثيين) تشكيل مجلي سياسي اعلى لإدارة البلاد.

سقوط رهان الصمود وشيخوخة رهان الحسم ، سيجعلان من التقاتل الأهلي الطويل  بديلا  لعنوان التقاتل بين طرفي الحرب، كما يحلو للبعض في توصيفهم للحالة التي تعيشها البلاد .

فالتقاتل الاهلي هو اخر اوراق رأس النظام السابق، للهروب من كل الاستحقاقات، التي فرضتها مخرجات  الحوار وقرارات مجلس الامن، لأن التقاتل الاهلي  ببساطة سيكون حرب الجميع ضد الجميع ، التي تعفي طرفا بعينه من تبعاتها، فمشغل الانتقام من الجميع هو المحرك الفعلي، لكل فعل اعاقة قام به منذ تخليه (الصوري ) عن السلطة في فبراير 2012،  وليس الشعارات التي يسوقها  لتبرير حربه ضد اليمنيين.

فلا السيادة التي يتحدث عنها اعلامه ، ولا الوحدة ولا استقلالية القرار، هي التي يحارب من اجلها، لأنه ببساطة اكثر الرؤساء اليمنيين تفريطا بالأرض ،التي باعها للسعودية بموجب اتفاقية جديدة في يونيو 2000م

وهو واركان حكمه (تحالف حرب صيف 94) من دمر الوحدة بتحويل ارض الجنوب الى اقطاعيات . ولم يكن ذات يوم صاحب القرار الوطني  لان الذي جاء به كحاكم هو من كان يدير كل شيء في البلاد.

البلاد بحاجة الى اصطفاف وطني قوي ومؤثر ،ينبذ الحرب والعنف والتعصب والاكراه السياسي ومصادرة الدولة وعصبوية  مراكز الغلبة ،حتى تخرج من مازقها القاتل، فالرهان على قوى الانقلاب(بفجاجتها) او قوى الشرعية (بهشاشتها) لم يعد مجديا ،لانهما تحولا الى طبقة تتقوى وتتجذر مصالحها بالحرب.

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet