صدام العجرفة وتغييب الأولويات على أرض العرب
قبل 1 سنة, 9 شهر

قراءة الصدام بين روسيا وتركيا، الذي يملأ الدنيا اليوم، يمكن أن تأخذ المتابع إلى أكثر من تفسير. الأسئلة كثيرة؛ منھا ما إذا كان ھذا الصدام لھ علاقة بالتاريخ (القيصر والسلطان)، أو إعادة نفوذ إمبراطوريات غاربة، مرغوب من الطرفين إعادتھا بشكل ما، أو رغبة في التوسع والاستحواذ في الخاصرة العربية الرخوة.. أم لھ علاقة بالحرب البديلة بين الغرب والشرق، أم ھو صراع بين «عجرفتين» في الغالب لھما طابع شخصي!

 أٌي من تلك القراءات  المختلفة السابقة لا ينفي الحقيقة الشاخصة أمامنا، بأن ھذا الصدام يحدث على أرض عربية، ويدفع ثمنھ عرب من الدم العربي المراق يومًيا في المدن والبلدات السورية والعراقية، ويدفع بعشرات الآلاف الآخرين من العرب يومًيا إلى مغادرة بيوتھم وقراھم إلى الشتات والموت، كما أن توسع ھذا الصدام إن حدث سيكون على أرض عربية.

تلك الحقيقة تجعل من المراقب العربي يحاول تفسير ما يحدث، ويمد البصر، إن أمكن، إلى توقع المستقبل القريب والمتوسط.

ھنا أشارك القارئ في التفكير بصوت عاٍل في عدد من النقاط الرئيسية، وھي الخمس التالية:

أولا: الانتقام للإمبراطورية، فلا بد من تذكر يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) عام 1991 (تقريبا قبل عشرة أعوام من وصول فلاديمير بوتين إلى رأسالسلطة)، كان يوًما حزيًنا للإمبراطورية السوفياتية، التي استمرت ثلاثة أرباع القرن، يوم أنزل العلم السوفياتي في ذلك المساء من على سارية الكرملين، ورفع العلم الأحمر والأزرق والأبيض الروسي، إيذانا بميلاد دولة وطنية، وانھيار نفوذ إمبراطورية وّدعت إلى الأبد الفضاء الإمبراطوري، الذي استمر لفترة

طويلة من التاريخ، حتى قبل قيام الاتحاد السوفياتي. ھذه اللحظة التي شھدھا نفر قليل من المواطنين في الميدان الأحمر أصابت جيلاً روسًيا كاملاً بخيبة أمل تاريخية، لم يبرأ منھا حتى اليوم، وحنين مرضي إلى الماضي، فلم تخسر البلاد نظاًما بل إمبراطورية، وغاصت روسيا في السنوات العشر أو أكثر التي تلت، في لعق جراحھا، في الوقت الذي شھدت فيھ تساقط الدول التابعة لھا من جھة، وتوسع وتقدم نفوذ الدول الغربية وعلى رأسھا أميركا قريبا من الفضاء الروسي

وفي عقر داره من جھة أخرى. ھذا مما يجعل روسيا اليوم تبحث عن «فتوة» ويمثلھا السيد فلاديمير بوتين، ليس من خلال سياساتھ فقط، بل حتى في خيار مظھره الذي كثيًرا ما يستعرض فيھ شكلھ البدني وقوتھ الشخصية، وفي الوقت نفسھ بدأ يجمع حولھ ما سمتھ مجلة «التايمز» الأسبوعية، في عدد 7 سبتمبر (أيلول) 2015، في مقال تحت عنوان: «رجال حول الرئيس»، مجموعة «رجال سيلوفيكي»، وھم رجال من ذوي النفوذ، معظمھم من مدينة بطرسبورغ،

مسقط رأس الرئيس بوتين، ومتشددون وأصحاب مصالح، إما جنرالات مخضرمون وإما من رجال جھاز الاستخبارات القديم (كي جي بي). لقد تخلص تدريجًيا في «بلاطھ» من رجال الوسط أو المتعاطفين مع النظام الغربي، والليبراليين، ھؤلاء - في «سيلوفيكي» - مرتبطون مباشرة بالسيد بوتين، ولا رابط بينھما، ھو وحده يشكل نقطة التوازن،ُمعادون للغرب، رغم - كما تقول المجلة - أن أبناءھم يدرسون في المعاھد الغربية ويضعون أموالھم في البنوك الغربية، ويتشمسون في فلوريدا، ويتبضعون في ميلان! على حد اجتھاد المجلة! ھؤلاء أضيروا كثيًرا بعد أحداث أوكرانيا والمقاطعة الغربية الاقتصادية لروسيا التي تلت، وأصابتھم مباشرة بحصار شخصي، ھؤلاء يميلون إلى تضخيم المخاطر ويشيعون انتشار ثقافة الريبة، في الوقت الذي يعلمون فيھ أن نظرية «تبادل السلطة» التي اخترعوھا سوف تأخذ السيد بوتين إلى أكثر من ثلث قرن مقبل في الحكم! فلا بد من مغامرة قد تكون محسوبة من أجل الثأر، ويفضل أن يكون الطرف الآخر ھًشا كالساحة السورية.

ثانيا: على مقلب آخر، فإن السيد رجب طيب إردوغان يحمل بعض تلك الخصائص التي يحملھا سيد الكرملين اليوم، فھو مندفع إلى السلطة ومحبذ سلطة مركزية، يكون ھو فيھا نقطة التوازن.. ھدفھ الرئيسي تغيير الدستور التركي الحالي إلى آخر يجمع كل أو معظم السلطات في يده، كما يتطلع إلى الفضاء العربي في الجوار وما بعده على أنھ المكان الذي يجوز فيھ التمدد، فلم يرَض بنتائج محدودة في الانتخابات الأولى قبل أشھر، ثم تمت انتخابات عاجلة أخيًرا، مكنتھ من الحصول على أغلبية مريحة. بعض المراقبين يصفون العملية السياسية في تركيا بالديمقراطية «الرخوة»، حيث يتمكن بعض القوى من خلق فزع من الخيار الآخر، مما يضطر كثيرين إلى الإبقاء على ما يعرفونھ خيًرا من المغامرة مع ما لا يعرفونھ. حالة الاستنفار مع القوى الكردية والمعارضين في الداخل التركي التي سبقت الانتخابات الأخيرة قد تكشف عن ذلك المنحى بأكثر ما يمكن من الوضوح. في مكان آخر لعبت تركيا على خوف أوروبي من تدفق غير مسبوق وضخم من اللاجئين الذي وضع العواصم الأوروبية بين خيارين لا حلاوة فيھما؛ إما أن يقفوا ضد كل ما قالوه في تاريخھم الحديث عن حقوق الإنسان والمساواة فيمنعون ذلك التدفق، وإما أن يقبلوا اللاجئين في أرضھم على ما ينتج ذلك من خلل في التركيبة السكانية والثقافية وضغط على الاقتصاد عندھم.. خيارھم ھو دعم تركيا وتقديم بعض التنازلات لھا من أجل أن تقوم «باستضافة» من يحتمل توجھھم إلى أوروبا دون السؤال كثيًرا عن طرق تلك الاستضافة! إنھا فزاعة اللاجئين التي ترغب تركيا في استمرارھا استثماًرا لتحقيق أكبر المكاسب من أوروبا، فلماذا العجلة في المساعدة لحل المعضلة السورية؟

ثالًثا: في الحالتين الروسية والتركية يمكن مشاھدة «استنھاض الغرائز القديمة»، إلا أنھا غرائز تتوجھ إلى الثانوي من العوامل، فإسقاط الطائرة الروسية أعطى الكرملين طاقة مضافة سياسًيا للاستنھاض لدى جمھوره، كما أعطى أنقرة الطاقة نفسھا، وإن كانت مضادة، وبدا الاثنان كأنھما على صراط الصدام، إلا أنھ صدام تتنازل فيھ روسيا عن صدامھا مع الكبار (الولايات المتحدة) إلى الأصغر (تركيا)، وتتطاول تركيا على دولة كانت كبرى! وھذا يعني فيما يعني

تراجع روسيا من أمة إمبراطورية إلى وطن روسي لا أكثر، وتقدم تركيا للمنافسة بظھير من الغرب، وھذا يحقق للزعيمين شعبية واسعة يحتاجان إليھا.

رابًعا: تشعر روسيا أن خسارتھا الإمبراطورية كان أساسھا صراعھا الذي دخلت فيھ أو استدرجت إليھ في أفغانستان، الذي شكل لھا عقدة «شبھ فيتنامية بالنسبة إلى أميركا» وھي في سوريا ضد «داعش» الإرھاب، تثأر لذلك التاريخ، كما أن مفھومھا للإرھاب يتوسع من كل ما ھو عنفي، إلى – تقريًبا - كل ما ھو إسلامي - سني على وجھ التحديد، على ما فيھما من خلاف بّين. وما تقربھا من إيران، المضادة تاريخًيا لتركيا، إلا جزء من صراعھا القديم.

خامًسا: ما يجري حولنا إن نظرنا إلى المستقبل ھو اصطفافات جديدة وبحث عن تحالفات إقليمية من أجل التكالب على مائدة العرب، للحصول على غنائم منھا، بل ربما تقسيم بعضھا، واستمرار نزف الدم العربي، إلا أن أصحاب الأرض (العرب) غائبون، إما بسبب عدم وعي بأن المائدة المتقاتل عليھا ھيمائدتھم، وإما بسبب اعتقاد خاطئ بأن الآخرين سوف يكونون مؤتمنين على حقوقھم، وكلا الافتراضين لا أبعد منھما عن الواقع.. الأمر يتطلب إرادة عربية، تترفع عن الصغائر والانشغال المرضي بالنفس، تدفع إلى التلاحم لإبعاد المتطفلين حول المائدة العربية، من خلال خلق مناعة تضع أولوياتھا، وھي اليوم إقامة نظام حديث ومدني وعادل في سوريا، ولا يسمح أنُتغيب تلك الأولوية على وقع غبار صراع العجرفة.

آخر الكلام:

خطاب الكراھية في الغرب، بعد أحداث باريس،ُيوجھ إلى دول الخليج،ُمركًزا على دورھا المزعوم.. يحتاج الأمر إلى حملة علاقات عامة شعبية ودبلوماسية، قبل أن يتحول الأمر إلى شيطنة، تمھيًدا لحدوث الأسوأ.

مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.

"الشرق الاوسط"