علي ناصر محمد وأمواج عاصفة الحزم !
قبل 1 سنة, 8 شهر

فوق ما أحدثته عملية "عاصفة الحزم" من دمار شامل في اليمن وما ستحدثه من تحول وشيك في قوام المملكة السعودية والمنطقة برمتها من خلال استشراف تداعياتها على المدى المتوسط والبعيد فإنها وضعت اليمنيين بدرجة أساسية أمام حالة فرز جديدة وتاريخية .

وفي حالة الفرز هذه تبرز أمواج العاصفة معبرة عن ما يعتريها من خلل بنيوي حيث تضع "الثنائية" بوصفها حتمية قدرية تماماً كما فعلت "عاصفة الصحراء" التي استهدفت العراق في أوائل تسعينات القرن الماضي ، فمن ليس معنا فهو ضدنا .

منذ انطلاق "عاصفة الحزم" التي فاجأت مؤيديها ومعارضيها على حدّ سواء وعملية الفرز السلبي تعتمل بقوة وتحضر في لوازم هذه العملية كل أدوات الاستقطاب المقزز .. استقطاب العيوب عبر الجيوب وشراء الذمم والعمم واللمم ..

وفي خضم هذه المعمعة تظهر عناوين كثيرة للاستهلاك السياسي والإعلامي من مثل "الشرعية" و"الانقلاب" مع عدم وجود تقابل منطقي بينهما ، أو لنقل أنهما ثنائية أخرى معبرة عن خلل بنيوي آخر ، إذ لو كانت الشرعية شرعية حقاً لما حدث انقلاب ، ولو كان الانقلاب حقيقي لما كان ثمة وجود للشرعية ، ولما قامت العاصفة بدعوى إعادتها .. ومن المفارقات أنه من المعروف أن الشرعية تأتي من الشعب والانقلاب يأتي من السلطة على أن مايروج له في اليمن هو العكس تماماً ..!!!

عملية الفرز بين مؤيد ومعارض للعاصفة دخلت كل بيت لتحدث شرخاً عميقاً في بنية المجتمع ولتؤسس لحرب أهلية لطالما اعتبرت الانزلاق إليها تعبيراً عن الهزيمة ودرءها انتصاراً حقيقياً على العدوان الخارجي .

على أن الفزز الذي حدث ويحدث دوماً على مستوى القيادات التاريخية والرموز الوطنية والنخب السياسية والاجتماعية والفكرية هو ما يضع العامة أمام حالة من التصدع الفكري وضياع البوصلة السياسية فمن المعروف أن القائد هو من يحرك الجماهير وليس العكس.

هنا يقف الرئيس الأسبق علي ناصر محمد أمام اختبار تاريخي يضاف إلى مراحل استثنائية عديدة كانت له بها وقفات نوعية وخاصة ميزته عن غيره ، ولاشك أنه دفع ثمنها بالرغم من أن العروض التي قدمت له كانت شديدة الإغراء كما حدث في حرب صيف 1994م عندما أوفدت له القيادتان السعودية والإماراتية ممثلين عنها إلى دمشق ليؤيد الانفصال ورفض ذلك بالرغم مما تربطه بمؤسس الإمارات ورئيسها آنذاك الراحل زايد بن سلطان من علاقة وطيدة ، وبالرغم من أن ناصر كان عرّاب تطبيع العلاقات مع السعودية والخليج أثناء فترة حكمه لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية .

يتكرر المشهد مع انطلاق عاصفة الحزم والمطلوب تأييد العاصفة وتأييد الشرعية وكلاهما لا تستحقان التأييد بل تستوجبان الرفض والتنديد من حيث المبدأ والنتيجة .

لم يؤيد العاصفة إذ ليس من شأن من لا يعلم بالحدث قبل وقوعه تأييده بقدر ما من شأنه أن يعبر عن رفضه وأسفه كما لم يقم بالتنديد الكامل بالشرعية التي لطالما وجّه لها نصائح ثرة وهي لاتزال في صنعاء وقبل أن يقع الفأس في الرأس ، بل مارس من خلال تصريحاته الأخيرة نوعاً من ردم الهوة بين فريقين يتقاتلان ليدفع الشعب الثمن ويكون الوطن هو الضحية ، ومثل هذه المواقف المتوازنة لا تروق لأمراء الحروب على تنوعهم ، فإما أن تكون مع السعودية وإلا فأنت مع إيران ، وإما أن تكون مع الشرعية وإلا فأنت مع الانقلاب وهذه المعادلة صفرية من حيث النتيجة .

وليس بعيداً عن تصريحاته الصحفية فإن المبادرة التي تقدم بها الرئيس علي ناصر ومعه القيادي الجنوبي محمد علي أحمد والتي حاولت أن تخرق جدار الصمت المحلي والخارجي من اجل إيقاف نزيف الدم اليمني ووقف العدوان وانسحاب المسلحين من المدن والإفراج عن المعتقلين والعودة إلى الحوار وغيرها من النقاط الجوهرية كان لها أن تصبح أيقونة للمرحلة لولا أن العدوان يحتضن رهطاً من المقامرين وأمراء الحروب ولولا أن روحية الانتقام هي المهيمنة ولم تستنفذ بعد كل طاقاتها السلبية .

المثير للانتباه أن وسائل الإعلام المختلفة المؤيدة والمروجة للعاصفة وفي مقدمها قناة العربية / الحدث ، أصبحت هي القائدة للرأي العام والقادرة على تشكيله وصياغته كيفما تشاء وكأنّ الناس  لا تستطيع التمييز بين الغث والسمين بمافي ذلك أطراف قريبة من الحياد في حالة الاصطفاف الراهن .. فعندما تتحدث هذه القناة وغيرها عن الرئيس علي ناصر بأنه يعمل على تسليم عدن والجنوب للحراك الإيراني فهذا يعني أن السعودية وأتباعها يريدون معاقبته على عدم المشاركة في مؤتمر الرياض وعلى رفضه تأييد العاصفة والانضمام إلى جوقتها ، وعدم الانضواء تحت عباءة الشرعية القابعة لديهم ، ولا يعني ان الحراك الجنوبي صار إيرانياً مع أن ربطه بإيران بنحو أو بآخر يمكن تحميل المسؤولية فيه للرئيس علي سالم البيض وأطراف جنوبية أخرى كانت تعمل في بيروت وأصبحت اليوم في حضن المملكة .

إن وصف الحراك الجنوبي بأنه حراك إيراني هو إساءة للحراك وليس للرئيس علي ناصر وهذه الإساءة ينبغي أن تدفع ويتم الرد عليها ، وهو ما حاول الرئيس حيدر العطاس فعله من داخل استديو قناة الحدث بالرغم من انه من مؤيدي العاصفة حتى تحقيق الدمار الشامل والكامل ، لا أن ينساق الحراكيون والجنوبيون وراءها من خلال ممارسة جلد الذات والنيل من رموزهم.

إلى ذلك ، كان الرئيس علي ناصر في الأيام الماضية عرضة لموجة أخرى من أمواج العاصفة من خلال هجوم إعلامي مكثف على خلفية تصريحاته الصحفية لاسيما لصحيفة "عدن الغد" ، ولايزال الهجوم - لمن يُمعن النظر - يدور حول نفس المحور الذي أشارت إليه قناة العربية / الحدث ولم يخرج عن إطاره حتى في انتقاء عناوين المقالات .. تسليم عدن والجنوب للجنوبيين .. وليس للرئيس علي ناصر والحراك الإيراني فأين المشكلة ؟! .. إن المشكلة الحقيقية تكمن في إيجاد آلية ليحدث تسليم الحق لأصحابه وليس استسلام أصحاب الحق لسلطة الأمر الواقع كما يريد البعض أن يفهمه ويُفهم الآخرين عليه فالبون شاسع ، ومما لاشك فيه أن أصحاب الحق المتفرقين والمنقسمين والذين يوزعون الشتائم لبعضهم البعض لا يمكنهم فعل ذلك إن لم يوحدوا صفوفهم ويفكروا لمرة واحدة بطريقة استراتيجية وليس مرحلية وآنية قصيرة وقاصرة كما فعل البيض مع صالح في نفق جولدمور 89م  .

 ومن نافل القول إن استقطاب الحرب إلى الجنوب كان بسبب الشرعية التي نقلت الفراغ من صنعاء إلى عدن وانتقلت إلى الرياض لتسده من هناك بآلاف الغارات الجوية التي تضرب اليمنيين دون تمييز وآخرها ما حدث في حضرموت لمعسكر موالِ للشرعية التي لم تستطع القيام بمسؤوليتها حتى على مستوى الإغاثة الإنسانية التي قيل أن مليارات رصدت لها .

علي ناصر محمد الذي حدث توافق كبير على اعتباره الشخصية الأبرز التي يمكن أن تسد الفراغ الرئاسي قبل أن تتلاطم أمواج العاصفة.. لايزال بمواقفه المتوازنة من العدوان الخارجي ومن مختلف الفرقاء المحليين يشغل هذا الحيز من الفراغ والذي قال أكثر من مرة -قبل العاصفة وبعدها- أنه لا يسعى إليه ولايريده بقدر ما يريد أن يكون له دور في حل المشكلة اليمنية عبر الحوار بوصفه السبيل الأمثل مهما طال أمد الحرب ومهما استمر أمراء الحروب في مغامراتهم ..

إنه لمن المؤسف إن المطبخ السياسي والإعلامي الذي أوصل الرئيس عبد ربه منصور هادي ونجله والحكومة واليمن شماله وجنوبه إلى هذه المرحلة المأساوية لاتزال تستهويه نفس الطبخات الفاسدة التي تنتهي زوبعتها بعد حين مستدلة الستار على وضع سوداوي قاتم نحاول أن نفتش في دياجيره عن بقعة ضوء وبصيص أمل قبل أن تستبد بنا نقطة اللاعودة .

قال تعالى : }فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض{  صدق الله العظيم