الاستبدادان السياسي والديني للظاهرة الحوثية ؟!
قبل 2 سنة, 7 شهر

خلال الخمسة عقود الاخيرة من تاريخ اليمن، لم يقترب اليمنيون من الامساك بقرارهم السيادي الوطني،  الا كطيف  حلم صغير،  لان الطبقة السياسية الحاكمة، لم تكن في يوم من الايام،  تملك من الاستقلالية ما يمكنها من انتاج مشروع وطني مستقل، يلتف حوله الجميع، بل ظلت هذه الطبقة  تحضر في المشهد السياسي بوصفها ادوات،  بيد قوى التنازع الاقليمي والدولي، التي حولت البلاد الى  ارض محرقة للتسويات الكبيرة بين الانظمة المتصارعة .

 بالعودة الى الوراء قليلا، سنلاحظ ان احتراب السنوات الست بين 62/ 1968 في الجمهورية العربية اليمنية، كانت تعبر بجلاء عن التنازعات المصرية السعودية ،في ذروة استقطابات معسكري ما بعد الحرب العالمية الثانية،   وكان غطاء الاقتتال هو الانتصار لاحد المشروعين، اللذين وجدا من يصطف الى جانب احدهما من المواطنين اليمنيين، اما بقناعة او من باب الاستنفاع  والتكسب . صحيح ان المشروع الجمهوري  مثل المنزع الطبيعي  للخروج بالبلاد المغلقة المتخلفة  الى فضاء العصر والمواطنة ،لكن بالمقابل وجد المشروع الاخر مسنوداته الشعبية ،وطاقاته المسلحة،  في سكان المناطق التي لم تنكسر فيها بنية النظام المقدس وسلطة المذهب،  التي ظلت تحضر بصلابة  في ذاكرة هؤلاء السكان، بوصفها اخر متارس البقاء التي يتوجب الدفاع عنها، امام تغول (الدستوريين الجدد) ومشروعهم التغريبي  الساعي الى تفكك قدسية الحاكم وانتسابه !!

 لهذا السبب لم يصمد في الدفاع عن المشروع الجمهوري، الا تلك القوى الشابة غير المتحوصلة في رئة الانتساب العرقي، والانتماء المناطقي، و كانت ترى في اليمن  وطنا كبيرا جامعاً لكل ابنائه، المنتمين الى بنى التراتب الاجتماعي (بطبقاته وشرائحه) التي  انتجها النظام الامامي واعتاش عليها لسنوات طوال. وحين افرغ المشروع الجمهوري من طاقاته الخلاقة ومضمونه الوطني وتوجهه لبناء دولة المواطنة، بتغول قوى انقلاب الخامس من نوفمبر1967 ،التي انتجت المصالحة الجمهورية الملكية مطلع السبعينيات من القرن الماضي وبواسطتها،  وبمسميات جديدة اعيد ترميم  روح النظام التقليدي المحافظ،  بمركزه المقدس وذهنية الغلبة لتحالف العسكر والمشايخ ورجال الدين على حساب دولة المواطنة، التي بشر بها الخط الجمهوري ،والذي لم يحضر في وعي جيلين تاليين الا بواسطة النشيد والعلم والتسييل الاعلامي  الفارط ، الذي لم يشكل القيمة والوعيً القادر على مجابهة الزيف الذي تحول بدوره ـ اي الزيف ـ  الى قيمة قوية  لتكريس الحاكم (المختزل لهذا التحالف) وتصنيمه،   وتعزيز مشروعه الخاص  القائم على الاستبداد باسم الجمهورية، بدلاً عن الاستبداد الديني الذي كرسه حكم الائمة، ولم ينتج  على مدى عقود سوى (ذلك الافق  المظلم بإطاره الفكري التقنيني  الانغلاقي العنصري المذهبي  الطائفي ،متخلف الجذور والوسائل والغايات  والاهداف) حسب  لحسن لوزين

باختصار يمكن القول ان الاستبداد السياسي، الذي مارسته طبقة الحكم بتاريخها المرتهن  والمستلب، خلال الخمسة عقود الماضية،  كان بمشروعية النظام الجمهوري وتحت لافتاته انتجت متوالية الاقطاع السياسي الطويلة،  في البلد المتخلف الفقير من ثلاثي الهيمنة (العسكري و الشيخ والمفتي) التي تحولت بمرور الوقت الى بنية  لم تتجدد. لهذا السبب وصلت الى التفكك الكامل  في سبتمبر 2014 ،بعد اثنتين وخمسين سنة من (سبتمبر الكبير 1962) على يد، قوى شابة   جديدة  استطاعت ان تلتقط الكره في ملعب مهيأ ، لتقدم نفسها كبديل لكل القوى السياسية التاريخية والتقليدية يما فيها الاحزاب ، التي ظلت لسنوات تمثل لحظة الديكور الفارغ للعملية السياسية المعطلة.

هذه القوى (الحركة الحوثية) ،وخلال اشهر خمسة  من سيطرتها ، تبين انها تعيد انتاج الاستبدادين الديني والسياسي ،في حياة اليمنين بكثير من العجلة والتهور. فهي حين تقدم نفسها كنخبة حكم تضيق بمعاريضها  ،ولها اجهزتها الامنية الخاصة ،وميلشياتها المسلحة  ولها ذراعها السياسي،  و وتحدث باسم الشعب وثورته وقبل هذا وذاك مرتهنة القرار  لقوى اقليمية مؤثرة بقوة داخل المشهد السياسي والامني في المنطقة ونعني ايران، انما تنقش لحظة جديدة في تاريخ الاستبداد السياسي في اليمن، الذي لم يكن بعيدا عن مفاعيل  الابتلاع والسيطرة التي مارستها الطبقة السياسية التي حكمت اليمن باسم الثورة والنظام الجمهوري، بواسطة اجهزة الامن القمعية والارتهان للخارج .

وهي حين تقدم نفسها  كحركة دينية احيائية، انما تعبر عن حضورها الايديولوجي بمسمى (المسيرة القرآنية) وقدسية قائدها  الممثل للاصطفاء  السلالي  ،انما تعيد انتاج الاستبداد الديني بمضمون الحق الالهي في الحكم .